Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
من الحروف لها كاف الصفات فما . . . تنفك عن صور إلا أتت صور قولنا كأن سلطانها برفع سلطانها أي سلطان الخيال هو عين كأن وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم اعبد الله كأنك تراه فهي خبر وسلطانها مبتدأ تقدير الكلام سلطان حضرة الخيال من الألفاظ هو كأن اعلم أن البرزخ عبارة عن أمر فاصل بين أمرين لا يكون متطرفا أبدا كالخط الفاصل بين الظل والشمس وكقوله تعالى مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ومعنى لا يبغيان أي لا يختلط أحدهما بالآخر وإن عجز الحس عن الفصل بينهما والعقل يقضي أن بينهما حاجزا يفصل بينهما فذلك الحاجز المعقول هو البرزخ فإن أدرك بالحس فهو أحد الأمرين ما هو البزخ وكل أمرين يفتقران إذا تجاورا إلى برزخ ليس هو عين أحدهما وفيه قوة كل واحد منهما ولما كان البرزخ أمرا فاصلا بين معلوم وغير معلوم وبين معدوم وموجود وبين منفي ومثبت وبين معقول وغير معقول سمي برزخا اصطلاحا وهو معقول في نفسه وليس إلا الخيال فإنك إذا أدركته وكنت عاقلا تعلم أنك أدركت شيئا وجوديا وقع بصرك عليه وتعلم قطعا بدليل أنه ما ثم شيء رأسا وأصلا فما هو هذا الذي أثبت له شيئية وجودية ونفيتها عنه في حال اثباتك إياها فالخيال لا موجود ولا معدوم ولا معلوم ولا مجهول ولا منفي ولا مثبت كما يدرك الإنسان صورته في المرآة يعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه ويعلم قطعا أنه ما أدرك صورته بوجه لما يرى فيها من الدقة إذا كان جرم المرآة صغيرا ويعلم أن صورته أكبر من التي رأى بما لا يتقارب وإذا كان جرم المرآة كبيرا فيرى صورته في غاية الكبر ويقطع أن صورته أصغر مما رأى ولا يقدر أن ينكر أنه رأى صورته ويعلم أنه ليس في المرآة صورته ولا هي بينه وبين المرآة ولا هو انعكاس شعاع البصرة إلى الصورة المرئية فيها من خارج سواء كانت صورته أو غيرها إذ لو كان كذلك لأدرك الصورة على قدرها وما هي عليه وفي رؤيتها في السيف من الطول أو العرض يتبين لك ما ذكرنا مع علمه أنه رأى صورته بلا شك فليس بصادق ولا كاذب في قوله أنه مجهولة أظهر الله سبحانه هذه الحقيقة لعبده ضرب مثال ليعلم ويتحقق أنه إذا عجز وحار في درك حقيقة هذا وهو من العالم ولم يحصل عنده علم بحقيقته فهو بخالقها أعجز وأجهل وأشد حيرة ونبهه بذلك أن تجليات الحق له أرق وألطف معنى من هذا الذي قد حارت العقول فيه وعجزت عن إدراك حقيقته إلى أن بلغ عجزها أن تقول هل لهذا ماهية أو لا ماهية له فإنها لا تلحقه بالعدم المحض وقد أدرك البصر شيأ ما ولا بالوجود المحض وقد علمت أنه ما ثم شيء ولا بالإمكان المحض وإلى مثل هذه الحقيقة يصير الإنسان في نومه وبعد موته فيرى الإعراض صورا قائمة بنفسها تخاطبه ويخاطبها أجسادا لا يشك فيها والمكاشف يرى في يقظته ما يراه النائم في حال نومه والميت بعد موته كما يرى في الآخرة صورا لأعمال توزن مع كونها أعراضا ويرى الموت كبشا أملح يذبح والموت نسبة مفارقة عن اجتماع فسبحان من يجهل فلا يعلم ويعلم فلا يجهل لا إله إلا هو العزيز الحكيم ومن الناس من يدرك هذا المتخيل بعين الحس ومن الناس من يدركه بعين الخيال وأعني في حال اليقظة وأما في النوم فبعين الخيال قطعا فإذا أراد الإنسان أن يفرق في حال يقظته حيث كان في الدنيا أو يوم القيامة فلينظر إلى المتخيل وليقيده بنظره فإن اختلفت عليه أكوان المنظور إليه لاختلافه في التكوينات وهو لا ينكر أنه ذلك بعينه ولا يقيده النظر عن اختلاف التكوينات فيه كالناظر إلى الحرباء في اختلاف الألوان عليها فذلك عين الخيال بلا شك ما هو عين الحس فأدركت الخيال بعين الخيال لا بعين الحس وقليل من يتفطن إلى هذا ممن يدعي كشف الأرواح النارية والنورية إذا تمثلت لعينه صورا مدركة لا يدري بما أدركها هل بعين الخيال أو بعين الحس وكلاهما أعني الإدراكين بحاسة العين فإنها تعطي الإدراك بعين الخيال وبعين الحس وهو علم دقيق أعني العلم بالفصل بين العينين وبين حاسة العين وعين الحس وإذا أدركت العين المتخيل ولم تغفل عنه ورأته لا تختلف عليه التكوينات ولا رأته في مواضع مختلفات معا في حال واحدة والذات واحدة لا يشك فيها ولا انتقلت ولا تحولت في أكوان مختلفة فتعلم أنها محسوسة لا متخيلة وأنه أدركها بعين الحس لا بعين الخيال ومن هنا يعرف إدراك الإنسان في المنام ربه تعالى وهو منزه عن الصورة والمثال وضبط الإدراك إياه وتقييده ومن هنا تعرف ما ورد في الخبر الصحيح من كون الباري يتحلى في أدنى صورة من التي رأوه فيها وفي تحوله في صورة يعرفونها وقد كانوا أنكروه وتعوذوا منه فيعلم بأي عين تراه فقد أعلمتك أن الخيال يدرك بنفسه نريد بعين الخيال أو يدرك بالبصر وما الصحيح في ذلك حتى نعتمد عليه ولنا في ذلك : إياه وتقييده ومن هنا تعرف ما ورد في الخبر الصحيح من كون الباري يتحلى في أدنى صورة من التي رأوه فيها وفي تحوله في صورة يعرفونها وقد كانوا أنكروه وتعوذوا منه فيعلم بأي عين تراه فقد أعلمتك أن الخيال يدرك بنفسه نريد بعين الخيال أو يدرك بالبصر وما الصحيح في ذلك حتى نعتمد عليه ولنا في ذلك :
إذا تجلى حبيبي . . . بأي عين أراه
Page 381