189

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition Number

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

وإن ظهرت بالاستقرار علوم . . . فما حكم التضمر كالهزال خرج مسلم في صحيحه إن الله يقول شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين فسمى نفسه عز وجل أرحم الراحمين وقال إنه خير الغافرين وقال في الصحيح أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فإذا استقر أنا الوجودان الكرام الأصول لا يصدر منهم الإمكارم الأخلاق من الإحسان للمحسن والتجاوز عن المسيء والعفو عن الزلة وإقالة العثرة وقبول المعذرة والصفح عن الجاني وأمثال هذا مما هو من مكارم الأخلاق واستقر أنا ذلك فوجدناه لا يخطىء بقول شاعر العرب في ذلك أن الجياد على إعراقها تجري والحق أولى بصفة مكارم الأخلاق من المخلوقين فهنا تكون صحة الاستقراء في الإلهيات وأما سقم الاستقراء فلا يصح في العقائد فإن مبناها على الأدلة الواضحة فإنه لو استقرأنا كل من ظهرت منه صنعة وجدناه جسما ونقول إن العالم صنعة الحق وفعله وقد تتبعنا الصناع فما وجدنا صانعا إلا ذا جسم فالحق جسم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وتتبعنا الأدلة في المحدثات فما وجدنا عالما لنفسه وإنما الدليل يعطى أن لا يكون عالم إلا بصفة زائدة على ذاته تسمى علما وحكمها فيمن قامت به أن يكون عالما وقد علمنا أن الحق عالم فلا بد أن يكون له علم ويكون ذلك العلم صفة زائدة على ذاته قائمة به كلا بل هو الله العالم الحي القادر القاهر الخبير كل ذلك لنفسه لا بأمر زائد على نفسه وهي صفات كمال لا يكون كمال الذات إلا بها فيكون كماله بزائد على ذاته وتتصف ذاته بالنقص إذا لم يقم به هذا الزائد فهذا من الاستقراء وهذا الذي دعا المتكلمين أن يقولوا في صفات الحق لا هي هو ولا هي غيره وفيما ذكرناه ضرب من الاستقراء الذي لا يليق بالجناب العالي ثم أنه لما استشعر القائلون بالزائد سلكوا في العبارة عن ذلك مسلكا آخر فقالوا ما عقلناه بالاستقراء وإنما قلنا أعطى الدليل أنه لا يكون عالم إلا من قام به العلم ولا بد أن يكون أمر زائدا على ذات العالم لأنه من صفات المعاني يقدر رفعه مع بقاء الذات فلما أعطا الدليل ذلك طردناه شاهدا وغائبا يعني في الحق والخلق وهذا هرب منهم وعدول عن عين الصواب ثم أنهم أكدوا ذلك بقولهم ما ذكرناه عنهم أن صفاته لا هي هو ولا هي غيره وحدوا الغيرين بحد يمنعه غيرهم وإذا سألتهم هل هي أمر زائد اعترفوا بأنها أمر زائد وهذا هو عين الاستقراء فلهذا قلنا أن الاستقراء في العلم بالله لا يصح وإن الاستقراء على الحقيقة لا يفيد علما وإنما أثبتناه في مكارم الأخلاق شرعا وعرفا لا عقلا فإن العقل يدل عليه سبحانه أنه فعال لما يريد لا يقاس بالمخلوق ولا يقاس المخلوق عليه وإنما الأدلة الشرعية أتت بأمور تقرر عندنا منها أنه يعامل عباده بالإحسان وعلى قدر ظنهم به قال تعالى ' وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ' في الطرفين للوازم قررها الشارع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن النائم عن الصلاة إذا استيقظ أو الناسي إذا تذكر وقد خرج وقت الصلاة فيصليها هل يثبتها دائما في كل يوم في ذلك الوقت فلما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان الله لينهاكم عن الربا ويأخذه منكم فبين أنه سبحانه ما يحمد خلقا من مكارم الأخلاف إلا والحق تعالى أولى به بأن يعامل به خلقه ولا يذم شيأ من سفساف الأخلاق إلا وكان الجناب الإلهي أبعد منه ففي مثل هذا الفن يسوغ الاستقراء بهذه الدلالات الشرعية وأما غير ذلك فلا يكون فقد أبنت لك صحة الاستقراء من سقمه في هذا الفن يسوغ الاستقراء في التجليات فرأينا أن الهيولى الصناعية تقبل بعض الصور لا كلها فوجدنا الخشب يقبل صورة الكرسي والمنبر والتخت والباب ولم نره يقبل صورة القميص ولا الرداء ولا السراويل ورأينا الشقة تقبل ذلك ولا تقبل صورة السكين والسيف ثم رأينا الماء يقبل صورة لون الأوعية وما يتجلى فيها من المتلونات فيتصف بالزرقة والبياض والحمرة سئل الجنيد رحمه الله عن المعرفة والعارف فقال لون الماء لون إنائه ثم استقرأنا عالم الأركان كلها والأفلاك فوجدنا كل ركن منها وكل فلك يقبل صورا مخصوصة وبعضها أكثر قبولا من بعض ثم نظرنا في الهيولى الكل فوجدناها تقبل جميع صور الأجسام والأشكال فنظرنا في الأمور فرأيناها كلما لطفت قبلت الصور الكثيرة فنظرنا في الأرواح فوجدناها أقبل للتشكل في الصور من سائر ما ذكرناه ثم نظرنا في الخيال فوجدناه يقبل ما له صورة ويصور ما ليست له صورة فكان أوسع من الأرواح في التنوع في الصور ثم جئنا إلى الغيب في التجليات فوجدنا الأمر أوسع مما ذكرناه ورأيناه قد جعل ذلك أسماء كل اسم منها يقبل صورا لا نهاية لها في التجليات وعلمنا أن الحق وراء ذلك كله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير فجاء في عدم الإدراك بالاسم اللطيف إذ كانت اللطافة مما ينبو الحس عن إدراكها فتعقل ولا تشهد فتسمى في وصفه الذي تنزه أن يدرك فيه باللطيف الخبير أي تلطف عن إدراك المحدثات ومع هذا فإنه يعلم ويعقل أن ثم أمر ليستند إليه فأتى بالاسم الخبير على وزن فعيل وفعيل يرد بمعنى المفعول كقتيل بمعنى مقتول وجريح بمعنى مجروح وهو المراد هنا والأوجه وقد يرد بمعنى الفاعل كعليم بمعنى عالم وقد يكون أيضا هو المراد هنا ولكنه يبعد فإن دلالة مساق الآية لا تعطي ذلك فإن مساقها في إدراك الأبصار لا في إدراك البصائر فإن الله قد ندبنا إلى التوصل بالعلم به فقال فاعلم أنه لا إله إلا الله ولا يعلم حتى ننظر في الأدلة فيؤدينا النظر فيها إلى العلم به على قدر ما تعطينا القوة في ذلك فلهذا رجحنا خبير هنا بمعنى المفعول أي أن الله يعلم ويعقل ولا تدركه الأبصار فهذا القدر مما يتعلق بهذا الباب من الاستقراء وأما كونه لا يفيد العلم في هذا الموطن فإنه ما من أصل ذكرناه يقبل صورا ما لا يجوز بل يقع وقد وقع أنه يتكرر في تلك الصور مراتب عديدة وهذا قد ورد في الأخبار أن جبريل عليه السلام نزل مرارا على صورة دحية الكلبي ولما لم يصح عندنا في التجلي الإلهي أن يتكرر تجل إلهي لشخص واحد مرتين ولا يظهر في صورة واحدة لشخصين علمنا أن الاستقراء لا يفيد علما فإن جناب التجلي لا يقبل التكرار فخرج عن حكم الاستقراء من وجه عدم التكرار ولحق به من حيث التحول في الصور وقد ورد التحول في حديث مسلم في حديث الشفاعة من كتاب الإيمان فلا يعول على الاستقراء في شيء من الأشياء لا في الأحوال ولا في المقامات ولا في المنازل ولا في المنازلات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

الباب السابع والخمسون في معرفة تحصيل علم الإلهام بنوع ما من أنواع

الاستدلال ومعرفة النفس

لا تحكمن بإلهام تجده فقد . . . يكون في غير ما يرضاه واهبه

واجعل شريعتك المثلى مصححة . . . فإنها تمر بجنيه كاسبه

Page 358