Al-Futūḥāt al-makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
لما تسمى بالسلام لخلقه . . . حارت عقول الواصلين من الأنام قال الله تعالى لهم دار السلام وهي دار لا يمسهم فيها انصب فهم فيها سالمون واعلم أن السلامة التي للعارف هي تنزيهه من دعوى الربوبية على الإطلاق إلا أن يظهر عليه نفحاتها عندما يكون شهوده كون الحق جميع قواه فيكون دعوى فيكون سلامته عند ذلك من بفسه وبها سمي سلاما لما أراد الصحابة رضي الله عنهم في التشهد أن يقولوا أو قالوا السلام على الله تحية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام فإذا حضر العبد وهو عبد السلام مع الحق في هذه الحضرة وكان الحق مرآة فلينظر ما يرى فيها من الصور فإن رأى فيها صورة باطنة ومعاينة مشكلة بشكل ظاهره فعلم أنه رأى نفسه وما حصلت له درجة من يكون الحق جميع قواه وإن رأى صورة غير مشكلة بشكل جسدي مع تفعله أن ثن أمرا ما هو عينه فتلك صورة حق وأن العبد في ذلك الوقت قد تحقق بأن الحق قواه ليس هو وإن كان العبد في هذا الشهود هو عين المرآة وكان الحق هو المتجلي فيها فلينظر العبد من كونه مرآة ما تجلى فيه فإن تجلى فيه ما يقيده بشكله فالحكم للمرآة لا للحق فإن الرائي قد يتقيد بحقيقة شكل المرآة من طول وعرض واستدارة وانحناء وكبر وصغر فترد الرائي إليها ولها الحكم فيه فيعلم بالتقييد المناسب لشكل المرآة أن الذي رآه قد تحول في شكل صورته في أنواع ما تعطيه حقيقته في تلك الحال وإن رآه خارجا عن شكل ذاته فيعلم أنه الحق الذي هو بكل شيء محيط وبأي صورة ظهر فقد سلم من تأثير الصورة الأخرى فيه لأن حضرة السلام تعطي ذلك ألا ترى الرجل الذي رأى الحق عند رؤية أبي يزيد فمات وقد كان يرى الحق قبل رؤية أبي يزيد فلا يتأثر فقد رأى الحق في صورة مرآته ومثاله رؤية الشخص نفسه في مرآة فيها صورة مرآة أخرى وما في تلك المرآة الأخرى فيرى المرآة الأخرى في صورة مرآة نفسه ويرى الصورة التي في تلك المرآة الأخرى في صورة تلك المرآة الأخرى فبين الصورة ومرآة الرائي مرآة وسطى بينها وبين الصورة التي فيها وقد بينا ونبهنا على هذا ورغبنا في هذا المقام في رؤية الحق بالرؤية المحمدية في الصورة المحمدية فإنها أتم رؤية وأصدقها وهذه الحضرة لمن لم يشرك بالله شيئا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والجاهل من أشرك بالله خفيا كان الشرك أو جليا وذلك لأنهم يعرفون من أين خاطبهم الجاهلون وما حضرتهم فلو أجابوهم لا تتعظموا معهم في سلك الجهالة فإن كل إنسان ما يكلم إنسانا بأمر ما من الأمور ابتداء أو مجيبا حتى ينصبغ بصفة ذلك الأمر الذي يكلمه به كان ذلك ما كان وكل ذلك من الحضرات الإلهية علم ذلك من علمه وجهله من جهله فلم يتمكن لهؤلاء أن يزيدوا على قولهم سلاما شيئا ولو راموا ذلك ما استطاعوا وهذه الحضرة من أعظم الحضرات منها تقول الملائكة لأهل الجنة سلام عليكم بما صبرتم ومنها شرعت التحية فينا بالسلام على التعريف والتنكير وفي الصلاة وفي غير الصلاة واعلم أن الجاهل هو الذي يقول أو يعتقد ما يصوره في نفسه وما لذلك المصور اسم مفعول صورة في عينه زائدة على ما صوره هذا القائل والمعتقد في نفسه فكل ما تطلبه في حضرة وجودية فلا تجده إلا في نفس الذي صوره أو تلقاه عمن صوره فذلك الجهل أعني تصويره وذلك الجاهل أعني الذي صوره ومن كان من أهل هذه الحضرة السلامية فإنه عالم بالحضرات الوجودية وما تحوي عليه من الصور فإذا لم يجد فيها صورة ما خاطبه بها هذا القائل علم أنه جاهل أو مقلد لجاهل فلا يزيده على قوله سلاما شيئا وهذا مقام عزيز ما رأيت من أهله أحدا إلى الآن أعني أهل الذوق الذين لهم فيه شهود وإن كنت رأيت من يصمت عند خطاب الجاهل فما كل من يصمت عند خطاب الجاهل يصمت من هذه الحضرة وإن علم أن القائل من الجاهلين ولكن لا يقول سلاما إلا صاحب هذه الحضرة فإن له اطلاعا على وجود تلك الصورة في نفس القائل ولا يرى لها صورة في غير محله أصلا سواء كان ذلك القائل مقلدا أو قائلا عن شبهة وكل ما لا صورة له إلا في نفس قائله فإنها تذهب من الوجود بذهاب قوله أو ذهاب تذكر ما صوره من ذلك فإنه ما ثم حضرة وجودية تضبط عليه وجوده وللحروف المنظومة الدالية عليه من المتكلم به اعني أعيانا ثابتة في حضرة الثبوت أعني في شيئية الثبوت في عين هذا القائل وفي شيئية الوجود الخطابي أيضا ولكن مدلولها العدم فلا بد من ذهاب الصورة من النفس وإن بقيت لها صورة في الخطاب كائنة من حيث ما تشكلت في الهواء ملكا مسبحا يعرف أمه وهو القائل ولا يعرف له أبا في حضرة من حضرات الوجود فيبقى غريبا ما له نسب يعرفه سوى الذي تكون فيه وهو هذا الجاهل القائل وبهذا كان الصدق له الإعجاز في الكلام لأنه حق وجودي بخلاف المزور في نفسه ما ليس هو فنا له شيء يستند إليه فيظهر قصوره عن غيره ولذلك نهينا أن نضرب لله الأمثال وهو يضرب الأمثال لأنه يعلم ونحن لا نعلم فهو عز وجل يضرب لنا الأمثال بما له وجود في عينه ونحن لسنا مذلك إلا بحكم المصادفة فنضرب المثل إذا ضربناه بما له وجود في عينه بما لا وجود له إلا في تصورنا فنطلب مستندا فلا نجده فلا يبقى له عين فيزول لزواله ما ضرب له المثل لأنه لا يشبهه كما يزول نور السراج من البيت إذا ذهب السراج منه وقد رأينا جماعة من المنتمين إلى الله يتسعون في ضرب المثل من علماء الرسوم ومن أهل الأذواق كما أنهم يتكلمون في ذات الحق بما يقع به التنزيه لها من كونها لو كانت كذا لزم أن تكون كذا فإذن ليست بكذا والكلام في ذات الله عمدنا محجور بقوله ويحذركم الله نفسه من باب الإشارة وإن كان له مدخل في التفسير أيضا ولا يقع في مثل هذا إلا جاهل بالأمر وفي ليس كمثله شيء ما يقع به الاستغناء لو فهموه وما رأينا أحدا ممن يدعي فيه أنه من فحول العلماء من أي صنف كان من أصناف النظار إلا وقد تكلم في ذات الحق غير أهل الله من تحقق منهم بالله فإنهم ما تعرضوا لشيء من ذلك لأنهم رأوه عين الوجود كما أشهدهم فهم يتكلمون عن شهود فلا يسلبون ولا ينفون ولا يشبهون والله يقول الحق وهو يهدي السبيل من ذهاب الصورة من النفس وإن بقيت لها صورة في الخطاب كائنة من حيث ما تشكلت في الهواء ملكا مسبحا يعرف أمه وهو القائل ولا يعرف له أبا في حضرة من حضرات الوجود فيبقى غريبا ما له نسب يعرفه سوى الذي تكون فيه وهو هذا الجاهل القائل وبهذا كان الصدق له الإعجاز في الكلام لأنه حق وجودي بخلاف المزور في نفسه ما ليس هو فنا له شيء يستند إليه فيظهر قصوره عن غيره ولذلك نهينا أن نضرب لله الأمثال وهو يضرب الأمثال لأنه يعلم ونحن لا نعلم فهو عز وجل يضرب لنا الأمثال بما له وجود في عينه ونحن لسنا مذلك إلا بحكم المصادفة فنضرب المثل إذا ضربناه بما له وجود في عينه بما لا وجود له إلا في تصورنا فنطلب مستندا فلا نجده فلا يبقى له عين فيزول لزواله ما ضرب له المثل لأنه لا يشبهه كما يزول نور السراج من البيت إذا ذهب السراج منه وقد رأينا جماعة من المنتمين إلى الله يتسعون في ضرب المثل من علماء الرسوم ومن أهل الأذواق كما أنهم يتكلمون في ذات الحق بما يقع به التنزيه لها من كونها لو كانت كذا لزم أن تكون كذا فإذن ليست بكذا والكلام في ذات الله عمدنا محجور بقوله ويحذركم الله نفسه من باب الإشارة وإن كان له مدخل في التفسير أيضا ولا يقع في مثل هذا إلا جاهل بالأمر وفي ليس كمثله شيء ما يقع به الاستغناء لو فهموه وما رأينا أحدا ممن يدعي فيه أنه من فحول العلماء من أي صنف كان من أصناف النظار إلا وقد تكلم في ذات الحق غير أهل الله من تحقق منهم بالله فإنهم ما تعرضوا لشيء من ذلك لأنهم رأوه عين الوجود كما أشهدهم فهم يتكلمون عن شهود فلا يسلبون ولا ينفون ولا يشبهون والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
Page 205