Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
فصل فيمن ذكر هذه اللفظة بطريق المفاضلة اعلم أن المفاضلة في هذا الذكر وأمثاله على قسمين قسم يرجع الفاضل فيه والمفضول إلى الخلق وقسم يرجع الفاضل فيه إلى الحق والمفصول إلى الحق فلنبدأ بما يرجع إلى الحق وهو على قسمين قسم يرجع إلى هذا الاسم من حيث لفظه وقسم يرجع إلى غير لفظه من الأسماء فالذي يرجع إلى لفظه كالكبير في قوله تعالى إنه الكبير المتعال وكالمتكبر في قوله تعالى الجبار المتكبر فيكون الكبير أفضل من المتكبر لأن الكبير لنفسه هو كبير والمتكبر تعمل في حصول الكبرياء وما هو بالذات أفضل مما هو التعمل فإن التعمل اكتساب وإنما كان التكبر من صفات الحق لما كان من نزوله في الصفات إلى ما يعتقده أصحاب النظر وأكثر الخلق أنه صفة المخلوق فلما علم ذلك منهم وهو سبحانه قد وصف لهم نفسه بتلك الصفات حتى طمعوا فيه وضل بها قوم عن طريق الهدى كما اهتدى بها قوم في طريق الحيرة قام لهم تعالى في صفة التكبر عن ذلك النزول ليعلمهم أنه وإن اشترك معهم في الاسمية فإن نسبتها إليه تعالى ليست كنسبتها إلى المخلوق فيكون مثل هذا تكبرا ولا يحتاج الكبير إلى هذا كله فتبين لك المفاضلة بين الكبير والمتكبر وأما المفاضلة التي لهذه الكلمة أعني قولك الله أكبر فهي كلمة مفاضلة على كل اسم من الأسماء الإلهية بما يعطيه فهم الخلق فيه أعني في كل اسم اسم لأن فهم العالم لا بد أن يكون يقصر عما هو الأمر عليه ولا يتمكن أن يقبل توصيل ذلك لو تمكن أن يوصله الحق إليك فنحن لا قوة لنا على التحصيل ولا قوة في نفس الأمر على التوصيل فلا بد من قصور الفهم فتدل لفظة الله أكبر من كل ما أعطاه فهم من نسبة الكبرياء إلى الله بأي اسم كان من الأسماء الإلهية بهذا اللفظ وغيره فإن الله يقال فيه أنه أعظم وأكرم وأجل وأعلى وأرحم وأسرع وأحسن وأحكم وأمثال ذلك مما لا يحصي كثرة ألا ترى إلى المشركين لما قالوا أعل هبل أعل هبل وهبل اسم صنم كان يعبد في الجاهلية وهو الحجر الذي يطأه الناس في العتبة السفلى في باب بني شيبة هو مكبوب على وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما سمع المشركين يقولون ذلك قولوا الله أعلى وأجل يعني بالمفاضلة عندهم في اعتقادهم فساقه في معرض الحجة عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما دعاهم إلا إلى الإيمان بالله الذي هو عندهم وفي اعتقادهم أعلى وأجل من هبل ومن سائر الآلهة بما قالوه عن نفوسهم فقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فاتخذوهم حجبة فالله أعلى وأجل من هبل عندهم فكان ذلك تنبيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين فإنه في نفس الأمر ليس هبل بإله حتى يكون الله أعلى وأجل في الألوهة من هبل ولو قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق المفاضلة في نفس الأمر لكان تقريرا منه صلى الله عليه وسلم لألوهة هبل إلا أن الله أعلى منه وأجل في الألوهة وهذا محال على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى كل عالم أن يعتقده لأنه الجهل المحض على كل وجه فهذه أيضا مفاضلة مقررة شرعية في قولك الله أكبر فصاحب هذا الهجير بطريق المفاضلة يطالعه الحق بسريان هويته في جميع الخلق مثل قوله في الصحيح أن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده وقوله كنت سمعه وبصره ويده ورجله إلى غير ذلك وقوله فبي يسمع وبي يبصر ولكن نسبة القول إليه دون نسبة القول إليه بلسان عبده أعلى من نسبة القول إليه بلسان الخلق فهو أكبر في ذاته من كبريائه في خلقه فاعلم ذلك فنقول عند ذلك الله أكبر مفاضلة إذ لم يخرج عنه كأنه يقول ذكرك نفسك أعظم وأكبر من ذكرى إياك وإن ذكرتك بك فلا بد للنسبة من أثر لأن غاية شرف ذكري إياك أن ذكرك بك فتكون أنت الذاكر نفسك بلساني ونسبة الذكر إليك أكبر من نسبته إلي ولو كنت بك
فصل في الذكر لا على طريق المفاضلة وينقسم أيضا الذاكرون به هنا على هذا الوجه إلى قسمين طائفة تمنع المفاضلة في الذكر لأنه عين كل ذاكر ن حيث ما هو ذاكر فلا ترى ذكر إلا الله وهو من حيث هويته وعينه لا يقبل المفاضلة لأن الواحد لا يفضل نفسه فينتج له هذا الذكر على هذا الحد كشف هذا ذوقا فيتبين له أنه الحق عينه وطائفة أخرى وهم القسم الآخر لا يرون التفاضل إلا مع وجود المناسبة ولا مناسبة بين الله وبين خلقه فذكر الله نفسه ذكر وذكر العبد ربه ذكر كل على حقيقة لا يقال هذا الذكر أفضل ولا أكبر من هذا بل هو الذكر الكبير من غير مفاضلة لله تعالى وهو في حق العبد المذكور كبير عند العبد لا أكبر فإن العبد عبد لذاته والرب رب لذاته فلا يحجبنك ما تراه من تداخل الأوصاف فإن ذلك وإن كان حقيقة فكل حقيقة على ما هي عليه ما لها أثر في الأخرى يخرجها عما تقتضيه ذاتها فالحقائق لا تتبدل ولو تبدلت لارتفع العلم من الله ومن الخلق فإذا ذكر من هذه صفته أنتج له ذلك كشفا وذوقا أن الأمر كما نواه وقال به
فصل
Page 95