Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
فالنفس الدارج في طريقه . . . يبين عن منازل المدارج قال الله تعالى تعرج الملائكة والروح إليه وقال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب وقال تعالى رفيع الدرجات ذو العرش اعلم أن الممكنات هي كلمات الله التي لا تنفذ وبها يظهر سلطانها الذي لا يبعد وهي مركبات لأنها أتت فلإفادة فصدرت عن تركيب يعبر عنه في اللسان العربي بلفظة كن فلا يتكون عنه إلا مركب من روح وصورة ثم تلتحم الصور بعضها ببعض لما بينهما من المناسبات فتحدث المعاني بحدوث تأليفها الوضعي وما وقع فيها الوضع في الصور المخصوصة إلا لذاتها لا بحكم الإنفاق ولا بحكم الاختيار لأنها بأعيانها أعطت العلم الذي لا يتحول والقول الذي لا يتبدل والمشيئة الماضية فهي في الشهادة بحسب ما هي عليه في الغيب فهي في الغيب بصورة كل ما تتقلب إليه في الظاهر مما لا نهاية له في الغيب من التقليب وهو في الظاهر يبدو مع الآيات إذ لا يصح دخول ما لا يتناهى في الوجود لأن ما لا يتناهى لا ينقضي فلا يقف عند حد والمادة التي ظهرت فيها كلمات الله التي هي العالم هي نفس الرحمن ولهذا عبر عنه بالكلمات وقيل في عيسى عليه السلام أنه كلمة الله ثم اعلم أن الله تعالى لما أظهر من كلماته ما أظهر قدر لهم من المراتب ما قدر فمنهم الأرواح النورية والنارية والترابية وهم على مراتب مختلفة وكلهم أوقفهم مع نفوسهم وأشهدهم إياها واحتجب لهم فيها ثم طلب منهم أن يطلبوه ونصب لهم معارج يعرجون عليها في طلبها إياه فدخل لهم بهذه المعارج في حكم الحد وجعل لهم قلوبا يعقلون بها ولبعضهم فكرا يتفكرون به ثم جعل من معارجهم نفي المثلية عنه من جميع الوجوه ثم تشبه لهم بهم فأثبت عين ما نفى ثم نصب لهم الدلالة على صدق خبره إذا أخبرهم فتفاضلت إفهامهم لتفاضل حقائقهم في نشآتهم فكل طائفة سلكت فيه مسالك ما خرجت فيها عما هي عليه فلم يجدوا في انتهاء طلبهم إياه غير نفوسهم فمنهم من قال بأنه هو ومنهم من قال بالعجز عن ذلك وقال لم يكن المطلوب منا إلا أن نعلم أنه لا يعلم فهذا معنى العجز ومنهم من قال يعلم من وجه ويعجز عن العلم به من وجه منهم قال كل طائفة مصيبة فيما ذهبت إليه وأنه الحق سواء سعد أو شقي فإن السعادة والشقاء من جملة النسب المضافة إلى الخلق كما نعلم أن الحق والصدق نسبتان محمودتان ومع هذا فلها مواطن تذم فيه شرعا وعقلا فما ثم شيء لنفسه وما ثم شيء إلا لنفسه وبالجملة فالخلق كله مرتبط بالله ارتباط ممكن بواجب سواء عدم أو وجد وسعد أوشقي والحق من حيث أسماؤه مرتبط بالخلق فإن الأسماء الإلهية تطلب العالم طلبا ذاتيا فما في الوجود خروج عن التقييد من الطرفين فكما نحن به وله فهو بنا ولنا وإلا فليس لنا برب ولا خالق وهو ربنا وخالقنا فبنا لكونه به ولنا لكونه له إلا أن له الإمداد فينا الوجودي ولنا فيه الإمداد العلمي فتكليفه إيانا تكليف له فبنا تكلف للتكليف فما كلفنا سوانا ولكن به لا بنا قد أخلت المراتب فهو الرفيع الدرجات مع النزول الذاتي والخلق في النزول مع العروج والصعود الذاتي فما خرج موجود عن تأثير وجودي وعدمي ولا مؤثر في الحقيقة إلا النسب وهي أمور عدمية عليها روائح وجودية فالعدم لا يؤثر من غير أن تشم روائح الوجود والوجود لا أثر له إلا بنسبة عدمية فإذا ارتبط النقيضان وهما الوجود والعدم فارتباط الموجدين أقرب فما ثم إلا ارتباط والتفاف كما نبه تعالى والتفت الساق بالساق أي التف أمرنا بأمر وانعقد فلا ننحل عن عقده أبدا ولما تمم وهو الصادق بقوله إلى ربك أثبت وجود رتبته بك يومئذ يعني يوم يكشف عن الساق المساق رجوع الكل إليه من سعد أو من شقي أو من تعب أو من استراح قال صلى الله عليه وسلم في الدجال أن جنته نار وناره جنة فأثبت الأمرين ولم يزلهما فالجنة جنة ثابتة والنار نار ثابتة والصورة الظاهرة لرأى العين قد تكون مطابقة لما هو الأمر عليه في نفسه وقد لا تكون وعلى كل حال فهما أمران لا بد منهما خيالا كان أو غير خيال وإذا ارتبط الأمران كما قلنا هذا الارتباط فلا بد من جامع بينهما وهو الرابط وليس إلا ما تقتضيه ذات كل واحد منهما لا يحتاج إلى أمر وجودي زائد فارتبطا لأنفسهما لأنه ما ثم إلا خلق وحق فلا بد أن يكون الرابط أحدهما أو كلاهما ومن المحال أن ينفرد واحد منهما بهذا الحكم دون الآخر لأنه لا بد أن يكونا عليه من قبول هذا الارتباط فبهما يظهر لا بواحد منهما ومع هذا الارتباط فما هما مثلان بل كان كل واحد منهما ليس مثله شيء فلا بد أن يتميزا بأمر آخر ليس في واحد منهما أمر الآخر به يشار إلى كل واحد منهما فالافتقار موجب للميل وقبول الحركة والغنى ليس حكمه ذلك في الغنى فإنا نعلم أن بين المغناطيس والحديد مناسبة وارتباطا لا بد منه كارتباط الخلق والخالق ولكن إذا مسكنا المغناطيس جذب الحديد إليه فعلمنا أن في المغناطيس الجذب وفي الحديد القبول ولهذا انفعل بالحركة إليه وإذا مسكنا الحديد لم ينجذب إليه المغناطيس فهما وإن ارتبطا فقد افترقا وتميزا فالناس بل العالم فقراء إلى الله والله غني عن العالمينهما ومع هذا الارتباط فما هما مثلان بل كان كل واحد منهما ليس مثله شيء فلا بد أن يتميزا بأمر آخر ليس في واحد منهما أمر الآخر به يشار إلى كل واحد منهما فالافتقار موجب للميل وقبول الحركة والغنى ليس حكمه ذلك في الغنى فإنا نعلم أن بين المغناطيس والحديد مناسبة وارتباطا لا بد منه كارتباط الخلق والخالق ولكن إذا مسكنا المغناطيس جذب الحديد إليه فعلمنا أن في المغناطيس الجذب وفي الحديد القبول ولهذا انفعل بالحركة إليه وإذا مسكنا الحديد لم ينجذب إليه المغناطيس فهما وإن ارتبطا فقد افترقا وتميزا فالناس بل العالم فقراء إلى الله والله غني عن العالمين
هكذا صورة الوجود . . . فلا تلتفت إلى سواه
فبه كان شفعنا . . . وهو الواحد الإله
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الثاني والخمسون وأربعمائة في معرفة منازلة كلامي كله موعظة
لعبيدي لو اتعظوا
مهما وعظت فعظ بعين كلامي . . . فهو الموفى حق كل مقام
جمع العلوم قديمها وحديثها . . . معناه إلا أنه بفدام
وقدامه ألفاظنا وحروفنا . . . الجامعات لعين كل كلام
فنقول قال الله بالحرف الذي . . . قال إلا نام به بغير ملام
فترده أحلامنا بدليلها . . . والكشف يأتي ما ترى أحلامي
والحكم للأمرين عند من ارتقى . . . بمعارج الأرواح والأجسام
فانظر إليه منزها ومشبها . . . والحكم للأقدام في الأقدام
علم الوجود ضياؤه وظلامه . . . نور يمازجه كيان ظلام
ما أن رأيت ولا سمعت بمثله . . . شمس تشاهد في حجاب غمام
إني حكمت على الزمان بمثل ما . . . حكمت عليه مشارق الأيام
فالدهر محكوم عليه وحاكم . . . مع كونه يسمو على إلا الحكام
حكمت عليه شرائع ودلائل . . . مع كونها من جملة الخدام
واعلم بأنك إن نظرت بعينه . . . يبدو لك الأحكام في الأحكام
Page 70