Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
وهو يدري أنه وارثه . . . ليس يدري ذاك غير المنتبه قال الله تعالى وقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون وقال صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء وذكر أن الأنبياء ورثوا العلم وما ورثوا دينارا ولا درهما فالوارث مستخدم بالمعنى من ورث منه ما جمعه غير أن الموروث في مثل هذا الورث ما نقصه شيء من علمه بوراثة الوارث منه ففارق ميراث الدينار والدرهم بهذه الحقيقة والله يرث الأرض ومن عليها مما تعلق به علمه من العلم الإبتلائي فهذا هو قدر ميراث الحق من عباده وهو قوله تعالى ولنبلونكم حتى نعلم فاستخدمهم بما ابتلاهم حتى يعلم المجاهدين من عباده والصابرين ويبلوا أخبارهم وما عدا هذا النوع في حق الحق فهو علم لا علم وراثة فكأن الورثة من طريق المعنى استخدموا من ورثوا منه العلم الذي حصله من الله بحكم الكسب ابتداء وبحكم التكليف كل ذلك ورثوا منه الورثة من علماء الأمم ومما ورثوا منه قرب قاب قوسين وهو قولنا الثاني أعني الذي ينبغي للأولياء من هذا التقريب المحمدي ممن قرب منه هذا القرب فالأول من ذلك له صلى الله عليه وسلم والثاني للوارث وهو عينه وإنما جعلناه ثانيا لكونه ما حصل له حتى تقدم به هذا الرسول المعين صلى الله عليه وسلم فناله منه فهو في غاية البيان لا يقبل الشبه هذا العلم الموروث مثل ما يقبلها العلم النظري ولهذا نبه أبو المعالي لما ذكر النظر قال بحصول العلم عقيب النظر ضرورة فلو كان ذلك العلم الحاصل عقيب النظر نتيجة النظر ضرورة لما قبل الدخل بعد ذلك ولا الشبهة مثل ما لا يقبل ذلك العلم الضروري فتأولوا على إمام الحرمين ما لم يقصده بكلامه وإنما أراد رضي الله عنه ما أردناه أن النظر جعله الله سببا من الأسباب يفعل الأشياء عنده لا به فإذا وفى النظر في الدليل حقه خلق الله له العلم الضروري في نفسه ليس غير هذا فاعتماده على العلم الضروري الذي لا يقبل الشبه فإن لم يخلق له العلم الضروري فهو العالم الذي يقبل الدخل فيما علمه فيعلم عند ذلك أنه ما علمه علما ضروريا ولهذا ما يقبل الدخل إلا دليله لا ما يقول أنه علمه عقيب النظر فرجوعه أو توقفه عما كان أنتج له ذلك الدليل أخرجه أن يكون ذلك عنده علما ضروريا فليفرق الوارث في علمه بربه بين ما يأخذه ورثا وبين ما يأخذه ابتداء من غير ورث فأي عامل من العاملين عمل بأمر مشروع له من نص لا من تأويل وحصل له عند ذلك العمل علم بالله فهو من العلم الموروث ثم إنه لا يخلوا ذلك النص المعمول به هل كان شرعا لمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم أو لم يكن إلا من الشرع المختص به لا من الشرع المقرر الذي قرره لأمته مما كان الله قد تعبد به نبيا قبله فوارث مثل هذا وارث من كان ذلك العمل شرعه من الأنبياء بلغوا ما بلغوا ووارث أيضا محمدا صلى الله عليه وسلم فيه فهو وارث من وارث فإن كان ممن اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم فالوارث وارث محمد صلى الله عليه وسلم فيه خاصة لا ينتسب إلى غيره من الأنبياء عليهم السلام ويتميز بذلك عن سائر ورثة علماء الأنبياء عليهم السلام قبله ويحشر بذلك العلم في صفوف الأنبياء عليهم السلام وخلف محمد صلى الله عليه وسلم فإن نشأة الآخرة تشبه في بعض الأحكام النشأة البرزخية فترى نفسها وهي واحدة في صور كثيرة وأماكن مختلفة في الآن الواحد فيرى نفسه إن كان ورث عن وارث خلف محمد صلى الله عليه وسلم وخلف كل نبي كان ذلك العمل شرعا له ولو كانوا مائة ألف لرأى نفسه في أماكن على عددهم وفي صور ويعلم أنه هو وليس غيره في كل صورة وهو مع كونه واحدا عين كل صورة وهكذا يكون يوم القيامة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه الناس في مواطن القيامة فيجدونه من حيث طلبهم في كل موطن يقتضيه ذلك الطلب في الوقت الذي يجده الطالب الآخر في الموطن الآخر بعينه فمن لم يجده في طلبه في موطن ما فإنما ذلك لكونه طلبه في غير الموطن الذي يقتضيه طلبه فإن طلبه في موطن اقتضى حاله الجهل لوجده فذلك الجهل إذا وقع إن وقع فسببه ما ذكرناه وهو غير واقع والله أعلم ثم نرجع ونقول وإن كان ذلك العمل الذي اقيم فيه العبد لا عن نص مشروع بل كان قلد فيه مجتهد من علماء الأمة صاحب نظر وتأويل فيما حكم به لا عن نص من ذلك المجتهد نص تبعه فإنه يكون يوم القيامة وارث ذلك المجتهد ومتبعا إياه ومتبعا أيضا والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ذلك في نفس الأمر شرعا له كما تقدم وإن كان العامل لا عن نص ولا عن تقليد بل كان عن نظر واجتهاد وتفقه فهذا لا يكون وارثا في مثل هذه المسألة إلا إن أصاب الحكم فيها فإن أصاب الحكم كان وارثا وإن أخطأ وإن أخطأ الحكم لم يكن وارثا ويحشر في صف من هذه صفته ولهم صف مخصوص ثم هي في المواطن بحسب ما يكون عليه ذلك الحكم من مصادفة من تقدمه أنه شرع له فتكون له صور متبعة خلف ذلك الموروث منه كان من كان والكل خلف محمد صلى الله عليه وسلم وتختلف مراتبه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف الرسل عليهم السلام لاختلاف ما ظهر في الذي عمل به فإن انفرد به جملة عن كل رسول ونبي ومجتهد فإنه يكون أمة وحده كقس بن ساعدة قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يبعث يوم القيامة أمه وحده مع كونه خلف محمد صلى الله عليه وسلم لا بد من ذلك من حيث أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه المادة التي نظر فيها حتى انقدح له ما لم يخطر له إلا في تلك المسألة النازلة وأخطأ فيها حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد من ذلك بخلاف حكم المصيب فتحقق هذه المنازلة فإنها غريبة في المنازلات قليل من أهل الله من تكون له فإنها تنبئ عن تحقيق عظيم وذوق غريب ورفع أشكال وليس يكون في القيامة أدل ولا أعرف بمواطن القيامة ولا بصور ما فيها أعظم من صاحب هذه المنازلة ولا تحصل إلا بالوهب الإلهي لمن حصلت له والله يقول وهو يهدي السبيل | |
Page 56