Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
والعين واحدة والحكم للنسب . . . والعين ظاهرة والكون للسبب قال تعالى وما رميت فنفى إذ رميت فأثبت عين ما نفى ولكن الله رمى فنفى عين ما أثبته فصار إثبات الرمى وسطا بين طرفي نفي فالنفي الأول عين النفي الآخر فمن المحال أن يثبت عين الوسط بين النفيين لأنه محصور فيحكم عليه الحصر ولا سيما والنفي الآخر قد زاد على النفي الأول باثبات الرمى له لا للوسط فثبت الرمى في الشهود الحسي لمحمد صلى الله عليه وسلم بثبوت محمد صلى الله عليه وسلم في كلمة الحق فكما هو رام لا رام كذلك هو في الكلمة الإلهية محمد لا محمد إذ لو كان محمد كما تشهد صورته لكان راميا كما يشهد رميه فلما نفى عنه الخبر الإلهي عينه إذ لا فرق بين عينه ورميه وهكذا فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وهذه البصيرة التي كان عليها الدعاة إلى الله يعلمون من يدعو إلى الله ومن يدعى إلى الله فالإدراك واحد فإذا أدرك به الأمر على ما هو عليه سمي بصيرة لأنه علم محقق وإذا أدرك به عين نسبة ما ظهر في الحس سمى بصرا فاختلفت الألقاب عليه باختلاف الموطن كما اختلف حكم عين الأداة وإن كانت بصورة واحدة حيث كانت تختلف باختلاف المواطن مثل أداة لفظة ما لا شك إنها عين واحدة ففي موطن تكون نافية مثل قوله وما يعلم تأويله وفي موطن تكون تعجبا مثل قوله مما أصبرهم على النار وفي موطن تكون مهيئة مثل قوله بما يود الذين كفروا وفي موطن تكون اسما مثل قوله إلا ما أمرتني به إلى هذا وقد تكون مصدرية وتأتي للأستفهام وتأتي زائدة وغير ذلك من مواطنها فهذه عين واحدة حكمت عليها المواطن باحكام مختلفة كذلك صور التجلي بمنزلة الأحكام لمن يعقل ما يرى فإن بان الله لنا فيما ذكره في هذه الآية أن الذي كنا نظنه حقيقة محسوسة إنما هي متخلية يراها رأى العين الأمر في نفسه على خلاف ما تشهده العين وهذا سار في جميع القوى الجسمانية والروحانية فالعالم كله صور في صور مثل منصوبة فالحضرة الوجودية إنما هي حضرة الخيال ثم تقسم ما تراه من الصور إلى محسوس ومتخيل والكل متخيل وهذا لا قائل به إلا من أشهد هذا المشهد فالفيلسوف يرمي به وأصحاب أدلة العقول كلهم يرمون به وأهل الظاهر لا يقولون به نعم ولا بالمعاني التي جاءت له هذه الصور ولا يقرب من هذا المشهد إل السوفسطائية غير أن الفرق بين وبينهم أنهم يقولون أن هذا كله لا حقيقة له ونحن لا نقول بل نقول أنه حقيقة ففارقنا جميع الطوائف ووافقنا الله ورسوله بما أعلمنا مما هو وراء ما أشهدناه فعلمنا ما نشهد والشهود عناية من الله أعطاها ايانا نور الأيمان الذي أنار الله به بصائرنا ومن علم ما قررناه علم علم الأرض المخلوقة من بقية خميرة طينه آدم عليه السلام وعلم ان العالم باسره لا بل الموجودات هم عمار تلك الأرض وما خلص منها إلا الحق تعالى خالقها ومنشيها من حيث هويته إذ كان له الوجود ولا هي ولولا ما هو الأمر عل ما ذكرناه ما صحت المنازلة بيننا وبين الحق ولا صح نزول الحق إلى السماء الدنيا ولا الاستواء على العرش ولا العماء الذي فيه بناقبل أن يخلق خلقه فلولا حكم الأسم الظاهر ما بدت هذه الحضرة ولا ظهر العالم بالصورة ولولا الإسم الباطن ما عرفنا أن الرامي هو الله في صورة محمدية فما فوق من ذلك الصور فقال وما كان لبشران يكلمه الله وهو بشر إلا وحيا مثل قوله ولكن الله رمى فالرامي هو الله والبصر يشهد محمد أو من وراء حجاب صورة بشرية لتقع المناسبة بين الصورتين بالخطاب أو يرسل رسولا وهو ترجمان الحق في قلب العبد نزل به الروح الأمين على قلبك فإذا أوحى الله إلى الرسول البشرى من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط والقاه الرسول علينا فهو كلام الحق لنا من وراء حجاب تلك الصورة المسماة رسولا أن كان الأمر مرسلا إلينا أو نبيا وقد تكون هذه الرتبة لبعض الأولياء فإذا انكشف الغطاء البشري عن عين القلب أدرك جميع صور الموجودات كلها بهذه المثابة في خطاب بعضهم بعضا وسماع بعضهم من بعض فأتحد المتكلم والسامع والباطش والساعي والمحس والمتخيل والمصور والحافظ وجميع القوى المنسوبة إلى البشر فالمنازلات كلها برزخية بين الأول والآخر والظاهر والباطن وصور العالم وصور التجلي فأجره حتى يسمع كلام الله فالمترجم المتكلم وقد عرفنا أن الكلام المسموع هو كلام الله لا كلامه فتنظر ما جاء به في خطابه البرزخي وافتح عين الفهم لادراكه وكن بحسب ما خاطبك به ولا يسمع كلام الله إلا بسمع الله ولا كلام الصورة إلا بسمع الصورة والسامع من وراء السمع والمتكلم من وراء الكلام والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ من التبديل والتغيير فأما ما يدل على توحيد وإما صفة تنزيه وإما صفة فعل وإما ما يعطي الإشتراك وإما تشبيه وإما حكم وإما قصص وإما موعظة بترغيب أو ترهيب أو دلالة على مدلول عليه فهو محصور بين محكم ومتشابه كل خطاب في العالم فالطور الجسم لما فيه من الميل الطبيعي لكونه لا يستقل بنفسه في وجوده وكتاب مسطور عن إملاء إلهي ويمين كاتبة بقلم اقتداري في رق وهو عينك من باب الإشارة لا من باب التفسير منشور ظاهر غير مطوي فما هو مستور والبيت المعمور وهو القلب الذي وسع الحق فهو عامره والسقف المرفوع ما في الرأس من القوة الحسية والمعنوية والبحر المسجور رأ ى الطبيعة الموقدة بما فيها من النار الحاكم الموجب للحركة إن عذاب ربك لواقع أي ما تستعذ به النفس الحيوانية والروح الأمري والعقل العلوي من سيدها المربي لها المصلح من شأنها لواقع لساقط عليها إذ كانت لها المنازل السفلية من حيث إمكانها مطلقا ومن حيث طبعها مقيدا ماله من دافع لأنه ما ثم يرغب ما ذكرناه فمن عندنا التلقي لتدليه والترقي لتدانيه وبين هذين الحكمين ظهور البرازخ التي لها المجد الشامخ والعلم الراسخ وقد تكون المنازلة بين الأسماء الإلهية مثل المنازلة في الحرب عل هذا الإنسان إذا خالف أمر الله فيطلبه التواب والغفور والرحمن ويطلبه المنتقم والضار والمذل وأمثالهم وقد ورد في الحديث من هذا الباب قوله تعالى ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نسمة الؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له من لقائي وهذا من المنازلة وقد ذقت هذا الكشف رأيته من الله في قتل الدجال بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم معي فيه ومن هنالك انفتح لي باب بسط الرحمة على عباد الله وعلمت أن رحمته وسعت كل شيء فلابد أن ينفذ حكمها في كل شيء وعلمت حكمة انعدام الاعراض لانفسها في الزمان الثاني من زمان وجودها وخلق الله الأمثال في المحل أو الأضداد إذ لو ثبت عرض ثبوت محله إذا لم يكن محله معنى مثله أي عرض آخر مثله في العرضية ليبقى الجوهر ولم تكن تتبدل حاله على الجوهر فيكون إما دائم الشقاء من أول خلقه أو دائم السعادة فتكون رحمة الله قاصرة عل أعيان مخصوصين كما تكون بالوجوب في قوم منعوتين بنعت خاص وفيمن لا ينالها بصفة مقيدة وجوبا تناله الرحمة من باب الامتنان كما نالت هذا الذي استحقها ووجبت له بالصفة التي أعطته فاتصفت بها فوجبت الرحمة له فالكل على طريق الامتنان نالها ونالته فما ثم الأمنة إلهية أصلا وفرعا ثم تسري المنازلة بين الإصبعين من أصابع الرحمن في القلب في ميدان الإرادة فإن أزاغه أزاغه رحمان وإن أقامه أقامه رحمان فما ثم حكم الإله لأنه المستوي على العرش فلا تنفذ الأحكام إلا من هذا الاسم ثم تظهر المنازلة بين الملك والشيطان على القلب باللمتين اللتين يجدهما المكلف في قلبه فإن لم يكن مكلفا ووجد التردد في قلبه فلا يخلو إما أن يكون منهما لما نفذت فيه لمته أن يكون للمكلف في ذلك دخول بإعانة في فساد فيجوز الإثم عليه كصبيين لم يبلغا حد التكليف فيتضاربان عن لمة الشيطان التي غلبت على كل واحد منهما فيجيء والدهما أو شخصان من قرابتهما أو جيرانهما أو من كان من الحاضرين من الناس فيدخلون بينهما بغير ميزان شرعي بل حمية غرض فربما يؤدي ذلك إلى أن يكتسبوا إثما فما سعوا به في حقهما فلهذا تكون حركة الصبي بالشر عن لمة الشيطان فافهم واعرف المواطن تقر بالعلم الأتم وإن كان غير مكلف ولا في دار تكليف ووجد التردد في أمر بين فعلين لا حرج عليه فيما يفعل منهما فذلك التردد والمنازلة بين الخاطرين كالتردد الإلهي غير أنه في العبد من أجل طلب الأولى والأعلى في حقه كما يتردد المكلف بين طاعتين أيتهما يفعل فهذا تردد إلهي ما هو عن اللمتين إنما هما غرضان أو غرض واحد تعلق بأمرين إما على التساوي أو إبانة ترجيح يقتضيه الوقت وما هو مكلف ولا في دار تكليف لأنه لولا التكليف ما قرب شيطان إنسانا بإغواء أبدا لأنه عبث والعبث لا يفعله الحق لأن الكل فعله وإليه يرجع الأمر كله فصاحب علم المنازلات لابد له أن يقف على هذا كله وأمثاله وكل تردد في العالم كله فهذا أصله أما التردد الإلهي أو الإصبعان أو اللمتان فشيء آخر له حكم ما هنالك والأصل التردد الإلهي وما تعطيه حقائق الأسماء الإلهية المتقابلة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فلنذكر في هذا الفصل بعض ما حصل لنا في المنازلات من المعارف الإلهية فإنها أكثر من أن تحصى فمن ذلك ما نذكرهي العالم كله فهذا أصله أما التردد الإلهي أو الإصبعان أو اللمتان فشيء آخر له حكم ما هنالك والأصل التردد الإلهي وما تعطيه حقائق الأسماء الإلهية المتقابلة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فلنذكر في هذا الفصل بعض ما حصل لنا في المنازلات من المعارف الإلهية فإنها أكثر من أن تحصى فمن ذلك ما نذكره
الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن
استهين منع
لا تحقرن عباد الله إن لهم . . . قدرا ولو جمعت لك المقامات
أليس أسماؤه تبدي حقائقهم . . . ولو تولتهم فيها الجهالات
إلا إذا انتهكوا الشرع الذي انتهكت . . . حرمات منتهكة السمهريات
ففر من أجل حمى الرحمن إن له . . . عينا لمن حكمت فيه الحميات
Page 510