1153

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

لأنه لقب أعطت معالمه . . . فقرا يقوم به كسائر العلل اعلم أيدك الله بروح منه أن الله عز وجل يقول لإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي على جهة التشريف والاختصاص لآدم عليه السلام استكبرت في نظرك وكذلك كان فإن الله أخبر عنه أنه استكبر وقال لنا عز وجل في كتابه العزيز أن إبليس قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين وقال لما قيل له اسجد أأسجد لمن خلقت طينا فهذا معنى قولنا في نظرك أم كنت من العالمين في نفس الأمر أي أنك في نفس الأمر خير منه فهنا ظهر جهل إبليس وقد يريد بالعالمين الملائكة المهيمة في جلال الله الذين لم يدخلوا تحت الأمر بالسجود وهم أرواح ما هم ملائكة فإن الملائكة هي الرسل من هذه الأرواح كجبريل عليه السلام وأمثاله فإن الألوكة هي الرسالة في لسان العرب فالملائكة هم الرسل من هذه الأرواح خاصة فما بقي ملك إلا سجد لأنهم الذين قال الله لهم اسجدوا لآدم ولم تدخل الأرواح المهيمة فيمن خوطب بالسجود فإن الله ما ذكر أنه خاطب إلا الملائكة ولهذا قال فسجد الملائكة كلهم أجمعون ونصب إبليس على الاستثناء المنقطع لا المتصل وهذه الأرواح المهيمة في جلال الله لا تعلم أن الله خلق آدم ولا شيئا لشغلهم بالله يقول الله لإبليس أم كنت من العالمين أي من هؤلاء الذين ذكرناهم فلم تؤمر بالسجود والسجود التطاطي في اللسان لأن آدم خلق من تراب وهو أسفل الأركان لا أسفل منه ومن هنا يعرف شرف نقطة الدائرة على محيطها فإن النقطة أصل وجود المحيط فالعالون ما أمروا بالسجود لأنهم ما جرى لهم ذكر في تعريف الله إيانا ولولا ما ذكر الله إبليس بالإباية ما عرفنا أنه أمر بالسجود فما أضاف آدم إلى يديه إلا على جهة التشريف على غيره والتنويه لتعلم منزلته عند الله ثم زاد في تشريفه بخلقه باليدين قوله معرفا الأناسي الحيوانيين بكمال الأناسي المكملين أو لم يروا الضمير في يروا يعود على الأناسي الحيوانيين أنا خلقنا لهم أي من أجلهم فالضمير في لهم يعود على الناس الكمل المقصودين من العالم بالخطاب الإلهي مما عملت أيدينا فأضاف عمل الخلق إلى الأيدي الإلهية وعم الأسماء الإلهية بالنون من أيدينا وذلك لتمام التشريف الذي شرف به آدم عليه السلام في إضافة خلقه إلى يديه أنعاما وهي من أنعامه عليهم فهم لهم مالكون فملكوها بتمليك الله بخلاف الإنسان الحيواني فإنه يملكها عند نفسه بنفسه غافلا عن أنعام الله عليه بذلك فيتصرف في المخلوقات الإنسان الحيوان بحكم التبعية ويتصرف الإنسان الكامل فيها بحكم التمليك الإلهي فتصرفه فيها بيد الله وبمال الله الذي آتاه كما قال تعالى آمرا في حق المماليك وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فكل مخلوق في العالم فمضاف خلقه إلى يد إلهية لأنه قال مما عملت أيدينا فجمع فكل يد خالقة في العالم فهي يده يد ملك وتصريف فالخلق كله لله ألا له الخلق والأمر وقد ورد أن شجرة طوبى غرسها الله بيده وخلق جنة عدن بيده فوحد اليد وثناها وجمعها وما ثناها ألا في خلق آدم عليه السلام وهو الإنسان الكامل ولا شك أن التثنية برزخ بين الجمع والإفراد بل هي أول الجمع والتثنية تقابل الطرفين بذاتها فلها درجة الكمال لأن المفرد لا يصل إلى الجمع إلا بها والجمع لا ينظر إلى المفرد إلا بها فبالإنسان الكامل ظهر كمال الصورة فهو قلب لجسم العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى الله وهو البيت المعمور بالحق لما وسعه يقول تعالى في الحديث المروي ما وسعني أرض ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن فكانت مرتبة الإنسان الكامل من حيث هو قلب بين الله والعالم وسماه بالقلب لتقليبه في كل صورة كل يوم هو في شأن وتصريفه واتساعه في التقليب والتصريف ولذلك كانت له هذه السعة الإلهية لأنه وصف نفسه تعالى بأنه كل يوم في شأن واليوم هنا الزمن الفرد في كل شيء فهو في شؤن وليست التصريفات والتقليبات كلها في العالم سوى هذه الشؤن التي ألحق فيها ولم يرد نص عن الله ولا عن رسوله في مخلوق أنه أعطى كن سوى الإنسان خاصة فظهر ذلك في وقت في النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال كن أبا ذر فكان أبا ذر وورد الخبر في أهل الجنة أن الملك يأتي إليهم فيقول لهم بعد أن يستأذن في الدخول عليهم فإذا دخل ناولهم كتابا من عند الله بعد أن يسلم عليهم من الله فإذا في الكتاب لكل إنسان يخاطب به من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت أما بعد فإني أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون فقال صلى الله عليه وسلم فلا يقول أحد من أهل الجنة للشيء كن إلا ويكون فجاء بشيء وهو من أنكر المنكرات فعم وغاية الطبيعة تكوين الأجسام وما تحمله مما لا تخلو عنه وتطلبه بالطبع ولا شك أن الأجسام بعض العالم فليس لها العموم وغاية النفس تكوين الأرواح الجزئية في النشآت الطبيعية والأرواح جزء من العالم فلم يعم فما أعطى العموم إلا الإنسان الكامل حامل السر الإلهي فكل ما سوى الله جزء من كل الإنسان فاعقل إن كنت تعقل وانظر في كل ما سوى الله وما وصفه الحق به وهو قوله وإن من شيء إلا يسبح بحمده ووصف الكل بالسجود وما جعل لواحد منهم أمرا في العالم ولا نهيا ولا خلافة ولا تكوينا عاما وجعل ذلك للإنسان الكامل فمن أراد أن يعرف كماله فلينظر في نفسه في أمره ونهيه وتكوينه بلا واسطة لسان ولا جارحة ولا مخلوق غيره فإن صح له المعنى في ذلك فهو على بينة من ربه في كماله فإنه عنده شاهد منه أي من نفسه وهو ما ذكرناه فإن أمر أو نهى أو شرع في التكوين بوساطة جارحة من جوارحه فلم يقع شيء من ذلك أو وقع في شيء دون شيء ولم يعم مع عموم ذلك بترك الواسطة فقد كمل ولا يقدح في كماله ما لم يقع في الوجود عن أمره بالواسطة فإن الصورة الإلهية بهذا ظهرت في الوجود فإنه أمر تعالى عباده على ألسنة رسله عليهم السلام وفي كتبه فمنهم من أطاع ومنهم من عصى وبارتفاع الوسائط لا سبيل إلا الطاعة خاصة لا يصح ولا تمكن إباية قال صلى الله عليه وسلم يد الله مع الجماعة وقدرته نافذة ولهذا إذا اجتمع الإنسان في نفسه حتى صار شيئا واحدا نفذت همته فيما يريد وهذا ذوق أجمع عليه أهل الله قاطبة فإن يد الله مع الجماعة فإنه بالمجموع ظهر العالم والأعيان ليست إلا هو أنظر في قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ثم قال ولا أدنى من ذلك وهو ما دون الثلاثة ولا أكثر وهو ما فوق الثلاثة إلى ما لا يتناهى من العدد إلا هو معهم أينما كانوا وجودا أو عدما حيثما فرضوا فهو سبحانه ثان للواحد فإن المعية لا تصح للواحد من نفسه لأنها تقتضي الصحبة وأقلها اثنان وهو ثالث للاثنين ورابع للثلاثة وخامس للأربعة بالغا ما بلغ وإذا أضيفت المعية للخلق دون الحق فمعية الثاني ثاني اثنين ومعية الثالث للاثنين ثالث ثلاثة ومعية الرابع للثلاثة رابع أربعة بالغا ما بلغ لأنه عين ما هو معه في المخلوقية فهو من جنسه والحق ليس كذلك فليس كمثله شيء فليس بثالث ثلاثة ولا خامس خمسة فافهم فقد تبين الحق من الخلق من وجه وقد ظهر بصورته أيضا من وجه واعلم أن الطبيعة ظل النفس الكلية الموصوفة بالقوتين المعبر عنها بلسان الشرع باللوح المحفوظ فما لم يمتد من ظل النفس وبقي فيها فهو الذي نزلت به عن العقل في درجة النورية والإضاءة وما امتد من ظل النفس سمي طبيعة وكان امتداد هذا الظل على ذات الهيولى الكل فظهر من جوهر الهيولى والطبيعة الجسم الكل مظلما ولهذا شبهوه بالسبحة السوداء لهذه الظلمة الطبيعية وسموا النفس الزمردة لخضراء لما نزلت به عن العقل في النور وفي الجسم الكل ظهرت صور عالم الأجسام وأشكاله فكان ذلك الجسم الكل كالأعضاء فلما استعد الجسم بما استعد به توجهت عليه النفس وأنارته فانتشرت الحياة في جميع أعضائه كلها فتلك أرواح عالم الأجسام العلوي والسفلي من فلك وعنصر ثم استحال بعضه إلى بعضه لتأثير حكم الحركة الزمانية التي عينها الاسم الدهر في الأفلاك فظهرت للعين صور المولدات الفلكية كالكواكب والجنات ومرتبتها وما فيها والعنصرية من معدن ونبات وحيوان وصور غريبة وأشكال عجيبة في عين وجودية فما خرج شيء من العدم إلا الصور والأعراض من تركيب وتحليل والجوهر ثابت العين قابل لهذه الصور كلها دنيا وآخرة وإذا علمت هذا وتقرر فاعلم أن قوله تعالى يدبر الأمر يفصل الآيات أن المعنى المراد من ذلك التقدير والإيجاد فالتدبير للتقدير والتفصيل للإيجاد من فصلت الشيء عن الشيء إذا قطعته منه وفصلت بينه وبينه حتى تميز فإن كان الفصل عن تقدير فهو على صورته وشكله وإن كان من غير تقدير فقد لا يكون على صورته وإن أشبهه في أمره فإنه يفارقه في أمر آخر كالبياض والسواد يشتركان في اللونية وإن كانا ضدين وكاللون والحركة يشتركان في العرضية وإن كانا مختلفين قال الشاعر : الشاعر :

Page 289