975

Al-Fuṣūl fī al-uṣūl

الفصول في الأصول

Publisher

وزارة الأوقاف الكويتية

Edition

الثانية

Publication Year

1414 AH

Publisher Location

الكويت

مَوْضِعٌ يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِاجْتِهَادٍ وَقِيلَ: وُجُوبُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْجُنُبِ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ،
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ نَصٌّ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ.
قِيلَ لَهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْقَوْلُ فِيهِ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي خَاطَبَ بِهِ أَبَا ذَرٍّ. وَمِنْهُ حَدِيثُ «عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ تَيَمَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَصَلَّى بِهِمْ، لِأَنَّهُ خَافَ ضَرَرَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ صَلَّى بِنَا وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِهِمْ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ قَالَ: خَشِيتُ إنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، وَقَدْ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿" وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى عَمْرٍو الِاجْتِهَادَ فِي تَرْكِهِ الْمَاءَ وَالْعُدُولِ عَنْهُ إلَى التُّرَابِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى أَصْحَابِهِ أَيْضًا الِاجْتِهَادَ فِي وُجُوبِ اسْتِعْمَالِهِ، إذَا كَانَتْ الْحَالُ عِنْدَهُمْ وَفِي اجْتِهَادِهِمْ غَيْرَ مَخْفِيَّةٍ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ لَهُ: بِمَاذَا أَهَلَلْتَ. فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى، فَعَلَ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، فَلَا أُحِلُّ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ» . فَكَانَا مُجْتَهِدَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ عِنْدَهُمَا، عَلَى تَحَرِّي مُوَافَقَةِ إهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمَا ذَلِكَ.

4 / 39