Fiqh al-qurʾān
فقه القرآن
Editor
السيد أحمد الحسيني
Publisher
من مخطوطات مكتبة آية الله المرعشي العامة
Edition
الثانية
Publication Year
1405 AH
Publisher Location
قم
فقه القران تأليف قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي المتوفى سنة 573 ه
Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم (رب زدني علما) الحمد لله الذي خلق الخلق كما أراد، ولم يرد الا الحكمة والسداد، ابتدعهم بقدرته ابتداعا، واخترعهم على مشيته اختراعا، فأغنى بفضله كل صغير، وأقنى بمنه كل كبير، ومن أجل مواهبه وأجمل صنائعه هذا العقل الذي يدرك به سعادة الأبد، وينقذ من الشقاوة كل أحد. فطوبى لمن عز باعماله، وبؤسي لمن ذل باهماله ثم لم يرض سبحانه بذلك لرأفته بالمكلفين حتى أمد عقولهم بارسال الرسل وانزال الكتب، واكد بالألطاف الحجة، وأوضح بالشرائع المحجة. فله الحمد دائبا، وله الشكر واصبا، بكل ما حمده به أكرم خلائقه عليه، وأرضى حامديه لديه.
فقد أكمل لنا دينه، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الاسلام دينا.
وصلى الله على محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله الأطهار، الأئمة الأخيار، الهداة الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
أما بعد:
فان الذي حملني على الشروع في جمع هذا الكتاب أنى لم أجد من علماء الاسلام قديما وحديثا من ألف كتابا مفردا يشتمل على الفقه الذي ينطق به كتاب الله،
Page 3
ولم يتعرض أحد منهم لاستيعاب ما نصه عليه لفظه أو معناه وظاهره أو فحواه، في مجموع كان على الانفراد صائب هدف المراد، وان صنفوا في الفقه وتفسير القرآن ما لا يحاط به الا على امتداد الزمان.
والعذر لنا خاصة واضح، لان حجة هذه الطائفة في صواب جميع ما انفردت به من الأحاديث الشرعية والتكاليف السمعية أو شاركت فيه غيرها من الفقهاء هي اجماعها، لان اجماعها حجة قاطعة ودلالة موجبة للعلم بكون المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ فيه، فان انضاف إلى ذلك كتاب الله أو طريقة أخرى توجب العلم وتثمر اليقين فهي فضيلة ودلالة تنضاف إلى أخرى، والا ففي اجماعهم كفاية.
فرأيت أن أولف كتابا في (فقه القرآن)، يغنى عن غيره بحسن مبانيه، ولا يقصر فهم القارئ عن معانيه، متجنبا فيه الإطالة والتكثير، ومتحريا الايجاز والتيسير ليكون الناظر فيه أنيسا يصادقه، وللفقيه ردءا يصدقه. فجمعت منه بعون الله تعالى جملة مشروحة أخرجها الاستقراء، وان نسأ الله في الاجل ذكرت بعد ذلك ما يقتضيه الاستقصاء.
والله الموفق لما يشاء.
Page 4
كتاب الطهارة اعلم أن الله سبحانه وتعالى بين أحكام الطهارة في القرآن على سبيل التفصيل في موضعين، ونبه عليها جملة في مواضع شتى منه خصوصا أو عموما تصريحا أو تلويحا.
وأنا انشاء الله أورد جميع ذلك أو أكثر ما فيه على غاية ما يمكن تلخيصه، وأستو فيه وأومى إلى تعليله وجهة دليله، واذكر أقوال العلماء والمفسرين في ذلك والصحيح منها والأقوى. وان شبهت شيئا بشئ فعلى جهة المثال لا على وجه حمل أحدهما على الاخر.
وأقتصر في جميع ما يحتاج إليه على مجرد ما روى السلف رحمهم الله من المعاني الا القليل النادر والشاذ الشارد، وأقنع أيضا بألفاظهم المنقولة حتى لا يستوحش من ذلك. وهذا شرطي إلى آخر الكتاب.
ولا أجمع الا ما فرقه أصحابنا في مصنفاتهم، وذلك لان القياس بالدليل الواضح غير صحيح في الشريعة، وهو حمل الشئ على غيره في الحكم لأجل ما
Page 5
بينهما من الشبه، فيسمى المقيس فرعا والمقيس عليه أصلا. وكذلك الاجتهاد غير جائز في الشرع (1)، وهو (استفراغ الجهد في استخراج احكام الشرع)، وقيل (هو بذل الوسع في تعرف الأحكام الشرعية).
فأما إذا صح باجماع الفرقة المحقة حكم من الأحكام الشرعية بنص من الرسول صلى الله عليه وآله مقطوع على صحته على سبيل التفصيل رواه المعصومون من أهل بيته عليه وعليهم السلام ثم طلب الفقيه بعد ذلك دلالة عليه من الكتاب جملة أو تفصيلا ليضيفها إلى السنة حسما للشنعة، فلا يكون ذلك قياسا ولا اجتهادا، لان القايس والمجتهد لو كان معهما نص على وجه من الوجوه لم يكن ذلك منهما قياسا ولا اجتهادا. وهذا واضح بحمد الله.
على أن أكثر الآيات التي نتكلم عليها في هذا المعنى، فهو ما نبهنا عليه (2) الأئمة من آل محمد عليه وعليهم السلام، وهم معدن التأويل ومنزل التنزيل.
(فصل) اعلم أن الأدلة كلها أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة والاجماع.
أما الكتاب - وهو غرضنا ههنا - فهو القرآن في دلالته على الأحكام الشرعية.
والمستدل بالكتاب على ذكرناه يحتاج إلى أن يعرف (3) من علومه خمسة أصناف:
Page 6
العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمفسر، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ.
اما العموم والخصوص قليلا يتعلق بعموم قد دخله التخصيص، كقوله تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ (١) وهذا عام في كل مشركة حرة كانت أو أمة.
وقوله ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ (٢) خاص في الحرائر فقط، فلو تمسك بالعموم غلط. وكذلك قوله ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٣) عام، وقوله ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ (٤) خاص في أهل الكتاب.
واما المحكم والمتشابه فليقضى بالمحكم ويفتى به دون المتشابه (٥).
واما المجمل والمفسر فليعمل بالمفسر كقوله تعالى ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٦) وهذا غير مفسر، وقوله ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ (٧) مفسر باجماع المفسرين لأنه فسر الصلوات الخمس، لان قوله (حين تمسون) يعني المغرب والعشاء الآخرة، و (حين تصبحون) يعنى الصبح، و (عشيا) يعنى العصر، و (حين تظهرون) الظهر.
وأما المطلق والمقيد فليبنى المطلق على المقيد إذا كانا في حكم واحد، كقوله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (٨) فهذا مطلق في العدل والفاسق، وقوله ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (9) مقيد بالعدالة، فيبنى المطلق عليه.
Page 7
واما الناسخ والمنسوخ فليقضى بالناسخ دون المنسوخ، كآية العدة بالحول والآية التي تضمنت العدة بالأشهر.
ويأتي بيان جميع ذلك انشاء الله تعالى.
(باب) (وجوب الطهارة وكيفيتها وما به تكون وما ينقضها) الدليل على هذه الأشياء الأربعة - التي هي مدار الطهارتين وما يقوم مقامهما عند الضرورة - اثنان من المائدة والنساء، وهما:
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ (١).
وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ (٢).
وظاهر هذا الخطاب متوجه إلى من كان على ظاهر الايمان، فأما الكافر فلا يعلم بهذا الظاهر أنه مخاطب به ويعلم بآية أخرى ودلالة عليه به احرى.
وإنما أمر المؤمنون به - وهو واجب على الكل - لأنه بعد الدخول في الملة، ومن أتى الاسلام يؤمر به ثم يؤمر بفروعه.
على أنه يمكن أن يقال: أن التخصيص ههنا ورد للتغليب والتشريف وإن كان الكل مرادا، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ (٣).
ألا ترى أن أسباب التكليف التي حسن الخطاب لأجلها حاصلة للمؤمن والكافر، يوضح ذلك ويبينه قوله تعالى ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ (4) ولا خلاف
Page 8
أنه ينبغي ان يحمل على عمومه في كل ما هو عبادة الله وإن كان خاصا في المكلفين منهم الذين أوجب الله ذلك عليهم أو ندبهم إليه. والآية متوجهة إلى جميع الناس ممن يصح مخاطبته مؤمنهم وكافرهم، لحصول العموم فيها، الا من ليس بشرائط التكليف على ما ذكرناه.
فالكافر إذا لابد أن يكون مخاطبا بالصلاة وبجميع أركان الشريعة لكونها واجبة عليه، لأنه مذموم بتركها متمكن من أن يعلم وجوبها، ويعاقب غدا عليه أيضا. ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ (1).
ولا يقدح في وجوب ذلك بأنه إذا أسلم لا يجب عليه قضاء ما فاته، لان القضاء هو الفرض الثاني.
فان قيل: كيف يجوز ان يكون [من] مخاطبين بذلك ولم يكن [من] (2) موجودين في ذلك الوقت، ومن المحال أن يخاطب المعدوم.
قلنا: الأوامر على ضربين: أحدهما على الاطلاق، فالمأمور يجب أن يكون قادرا مزاح العلة فضلا على وجوده. والاخر يكون أمرا بشرط، فالمأمور لا يجب أن يكون كذلك في الحال ولكن بشرط أن يوجد ويصير قادرا مزاح العلة متمكنا.
وإذا ثبت هذا فأوامر الله تعالى وأوامر الرسول عليه السلام كانت أوامر للمكلفين الموجودين في ذلك الزمان على تلك الصفات، وكانت أوامر لمن بعدهم، بشرط أن يوجدوا ويصيروا قادرين مترددي الدواعي على ما ذكرناه، والامر على هذا الوجه يكون حسنا. [فإنه يحسن من الواحد منا أن يأمر النجار بانجار باب غدا بشرط أن يمكنه مما يحتاج إليه من الآلات وغيرها وان لم يمكنه في الحالة] (3).
وانما أوردت هذه الجملة استيناسا للناظر فيه، وهو التنبيه للفقيه.
Page 9
(باب الوضوء) أما قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (١).
فإنه يدل بظاهره على وجوب أربعة أفعال مقارنة للوضوء، ويدل من فحواه على وجوب النية فيه، لأنه عمل والأعمال بالنيات.
ثم اعلم أن القيام إلى الصلاة ضربان: أحدهما ان يقوم للدخول فيها، والاخر أن يتأهب باستعمال الطهارة للشروع فيها. فالأول لا يصح من دون الثاني، والثاني انما يجب بشرط تقدم الأول. فبهذا الخطاب أمرهم الله انهم إذا أرادوا القيام إلى الصلاة وهم على غير طهر أن يغسلوا وجوههم ويفعلوا ما أمرهم الله به فيها.
وحذف الإرادة لان في الكلام دلالة عليه، ومثله قوله تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ (٢)، معناه إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، وقوله ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ (3)، معناه فأردت أن تقيم لهم الصلاة.
والذي يدل عليه هو أن الله أمر بغسل الأعضاء إذا قام إلى الصلاة بقوله (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا). ومعلوم أنه إذا قام إلى الصلاة لا يغسل أعضاءه، لأنه لا يقوم إليها ليصلي الا وقد غسل الأعضاء أو فعل ما قام مقامه، فعلم أنه أراد إذا أردت القيام إلى الصلاة فاغسل أعضاءك، فأمر بغسل الأعضاء، فثبت أن الغسلين والمسحين كليهما واجب في هذه الطهارة.
ويدل قوله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (4) على
Page 10
وجوب عشر كيفيات مقارنة للوضوء، وعلى وجوب أربعة أشياء قبل الوضوء، وهي تركان وفعلان (1).
(فصل) وإذا ثبت وجوب الطهارة - لان الله أمر بها والامر في الشرع على الوجوب لا يحمل على الندب الا لقرينة - فاعلم أنهم اختلفوا هل يجب ذلك كلما أراد القيام إلى الصلاة أو في بعضها أو في أي حال هي؟
فقال قوم: المراد به إذا أراد القيام إليها وهو على غير طهر، وهو المروي عن ابن عباس وجابر.
وقيل: معناه إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة. وروي أن الباقر عليه السلام سئل ما المراد بالقيام إليها؟ فقال: المراد به القيام من النوم (2).
وقيل: المراد به جميع حال قيام الانسان إلى الصلاة، فعليه أن يجدد طهر الصلاة، عن عكرمة وقال: كان علي عليه السلام يتوضأ لكل صلاة ويقرأ هذه الآية، وهذا محمول على الندب. وعن ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضأون لكل صلاة.
وعن ابن عمر: كان الفرض أن يتوضأ لكل صلاة ثم نسخ ذلك بالتخفيف، فقد حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة ابن أبي عامر الغسيل حدثها ان النبي صلى الله عليه وآله أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء الا من حدث (3)، فكان عبد الله يرى ذلك فرضا.
Page 11