859

Fī al-adab al-ḥadīth

في الأدب الحديث

Regions
Egypt

إن البكري في هذا تأثر على أوضاع شاذة في مصر، مع أنه من أبناء الخاصة الذين شبوا في حضن النعيم، ولكنه كان ذا نظرة ثاقبة وفكر رشيد، وقلب رحيم، وعقل حكيم، ولعله رأي في رحلاته إلى أوربا مبلغ ما وصل إليه الناس من المساواة، وأن أبناء الخاصة يعملون لنفع أمتهم كما يعمل أبناء العامة، وربما كانت آراؤه هذه هي التي تأذى منها "عباس" فنظرته إلى الحكام، وإلى أبناء الخاصة، وآراؤه الاشتراكية لم يكن يرضى عنها عباس، وهو الذي اشتهر بحبه لجمع المال، وبعداوته للنظم الديمقراطية وحرم الأمة مجلسا نيابيا صحيحا.

ثم استمع إليه كيف يصور أبناء العامة, ويصف شقاءهم وتعاستهم، والتفاوت العظيم بينهم وبين أبناء الخاصة الذين وصفهم من قبل.

"وأما العامة أيدك الله فهم عظم على وضم، وصيد في غير حرم، سيد مأسور، والإخشيد في يد كافور، ويتيم غني في يد وصي.

وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد1

وأرى رجالا لا تحوط رعية ... فعلام تؤخذ جزية ومكوس

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

فبينما ترى قصورا وثراء، وحبورا، وسراء وعربات تترى، يعدو أمامها السليك الشنفري2. ويقودها داحس والغبراء3 على بساط الغبراء، وخراج قرية أو قريتين يذهب في لهو ليلة أو ليلتين، تجد أرملة صناعا، وأيتاما جياعا، وشيخا يعمل وهو في أرذل العمر، يقعده العجز، ويقيمه الفقر، أو عذراء كانت تبيع عرضها للاحتياج، أو مريضا عاجزا عن العلاج، وبينما ترى وذاحا4 في جيدها عقد، كأنه فرود حضار5، وفي أخمصها نعل في نضار، ترى بائسة في عنقها عقد من دموع، وفي بيتها فقر وجوع، حال تطرف العيون وتثير الشجون".

Page 480