Fī al-adab al-ḥadīth
في الأدب الحديث
ومهما يكن من أمر، فإن مدرسة العقاد وشكري والمازني عنيت بالمعنى عناية فائقة، وعنيت بالفكرة، وإخراجها واضحة، ولو لم تكن في أسلوب رائق، ولفظ مونق، وإن حاولوا مرارا أن يدافعوا عن بلاغة العبارة، وفي ذلك يقول المازني في انتقاده لشكري: "وأنت أيها القارئ قد تعلم أن سر النجاح في الأدب هو علو اللسان، وحسن البلاغ، وقوة الأداء، وأن على من يريد أن يشرح دينا جديدا "لأطفال" هذا العالم أن يحثهم بما أحب أسلافهم في سالف الزمن، أو بما # يلذهم أن يحبوه لو عرفوه. وأنه لكي يغربهم به ينبغي له أن يتوخى القوة في العبارة عما يريد، فإن الناس خليقون ألا يؤمنوا إلا بمن عمر صدره بالإيمان.
وقلما ظهر كاتب أو شاعر بالأداء، وكثيرا ما يمتاز بعض الكتاب، وتخلد آثارهم لما أتوه من المقدرة على إجادة العبارة عن آراء غيرهم. ولعل هذا أكبر الأسباب التي أفضت إلى خمول شكري وفشله في كل ما عالجه من فنون الأدب؛ لأنه لا أسلوب له، إذ كان يقلد كل شاعر ويقتاس بكل كاتب"1.
وترى العقاد كذلك يدافع عن جودة العبارة، وإن لم يستطع كل شعراء المدرسة الحديثة إلا علي محمود طه المهندس أن يجمعوا بين جدة المعنى، ورشاقة اللفظ وحلاوة موسيقاه؛ إذ أن حرصهم على أن يغص شعرهم بالأفكار والحقائق، جعلهم يؤدون هذه الحقائق بأي لفظ تهيأ لهم؛ لأنه مقصورة لذاتها ولذلك لا تستسيغه الآذان، ولا يقبل عليه أهل الغناء، ومع كل هذا لا يرى العقاد بدأ من الدفاع عن بلاغة الأسلوب وقوته وجماله. إذ يقول ناقضا رأي ميخائيل نعيمة في الغربال. "الكتابة الأدبية فن، والفن لا يكتفي فيه بالإفادة ولا يغني فيه مجرد الإفهام، وعندي أن الأديب في حل من الخطأ في بعض الأحيان؛ ولكن على شرط أن يكون الخطأ خيرا، وأجمل وأوفى من الصواب. إن مجاراة التطور فريضة وفضيلة، ولكن يجب أن نذكر أن اللغة لم تخلق اليوم فتخلق قواعدها وأصولها في طريقنا وإن التطور إنما يكون في اللغات التي ليس لها ماض، وقواعد، وأصول، ومتى وجدت القواعد والأصول فلماذا نهملها أو نخالفها إلا لضرورة لا مناص منها؟ "2.
وكان العقاد في مستهل حياته النقدية يشجع النظم بالشعر المرسل كما جاء في مقدمته التي كتبها لديوان المازني الجزء الأول ولكن عدل عن رأيه هذا لأنه آمن بأن سليقة العربي تنفر من إلغاء القافية كل الإلغاء3.
Page 275