Fī al-adab al-ḥadīth
في الأدب الحديث
ولم تكن مشكلة الفقر، أو النهضة الدينية، أو حجاب المرأة وسفورها هي وحدها المشكلات الاجتماعية التي أثارت شعراءنا، ولكننا نجد بجانب هذا نهضة اقتصادية في البلاد فإن المستعمر لم يدخل مصر إلا لأنها مدينة للأجانب، وكانت مصر حتى ثورة سنة 1919 بقرة حلوبا لها؛ لا تدري من أمر اقتصادياتها شيئا، يفد عليها كل أفاق لفظه وطنه، وضاق به، فيثري في بضع سنوات، ويصير من أصحاب الحول والطول في البلاد، ونحن نعيش كالسائمة لا نعرف كيف نستغل خيرات بلادنا، بل نبيعها بثمن بخس دراهم معدودات، ولا كيف نتعامل مع أوربا إلا عن طريق هؤلاء الأجانب، وعمت شركاتهم البلاد، واحتكرت منابع الخير فيها، وما علينا إلا أن ندفع لهم بسخاء ثمن النور والماء، والركوب وغيرها، وممن تنبه لذلك الخطر السيد عبد الله نديم، وقد عرفت في الجزء الأول كيف صور جشع هؤلاء الأجانب، وغبنهم الفاحش للفلاح الساذج، ثم جاء مصطفى كامل وحاول أن ينبه المصريون إلى أن الواجب يقتضي منهم أن ينهضوا باستقلال البلاد اقتصاديا، ولكن التعليم الذي فرضه علينا المستعمر لم يكن يهيئ لنا رجالا صالحين للنهوض بهذا الأمر، حتى شبت الثورة ونهض فريق من رجال # الاقتصاد وعلى رأسهم طلعت حرب، وأبطلوا ذلك السحر الذي نفثه الإنجليز في عقولنا بأننا لا نصلح للأعمال المالية، ولا تصلح بلادنا لنسج القطن، ولا الصوف ولا الحرير، وبأنه لا يوثق بمصري، فهو كسلان، مرتش، مهمل، حتى فقدنا الثقة بأنفسنا، وتحطمت آمالنا. جاء هؤلاء الرجال وبرهنوا على أن إنجلترا كاذبة، وتود أن نظل في ظلام دامس، تستنزف دماءنا، وتهيئ لأبنائها حياة رغيدة في وطنهم، ولو قتلنا الجوع، وأثقل ظهورنا الدين، فأسسنا "بنك مصر" وشركاته العديدة، التي شملت مختلف النواحي الاقتصادية، وكان نجاح هذه المؤسسة وبمؤسسيها. ومن يرجع إلى خطاب سعد زغلول في الجمعية التشريعية1 في مارس 1907، وكيف بين قوة تلك القبضة الأجنبية على مقدرات البلاد الاقتصادية، وأن التعليم في مصر لا بد أن يكون بلغة أجنبية، حتى يستطيع أبناء مصر أن يجدوا عملا في بلادهم، أدرك مدى ما وصلت إليه مصر وحالتها الاقتصادية من احتلال شنيع واستغلال بشع، وأدرك عظم المسرة التي خامرت نفوس بنيها حين تقدم بعضهم ليشق طريقه، وطريق بلاده في عالم المال، وقد ظل وطننا يعاني عنت الشركات الاقتصادية العظيمة التي وثبناها في الربع الثاني من هذا القرن، وبعد ثورة 23 يوليو سنة 1952، وليس الضرر في وجود الشركات الأجنبية ورءوس الأموال الغربية، فإن بلادنا ما زالت في حاجة شديدة إلى هذه الأموال لكثرة ما بها من مشروعات ضخمة تحتاج إلى أموال طائلة وتهدف من ورائها إلى تصنيع البلاد وتقويتها، وزيادة دخل أفرادها، ورفع مستوى معيشتهم، وإنما كان الضرر كامنا في كثرة الامتيازات التي تمتعت بها هذه الشركات الأجنبية وإعفائها من الضرائب، وعدم عنايتها بتدريب المصريين، وحرصها على إرسال أرباحها إلى خارج مصر. وقد نظم كل هذا الآن كما نهضت شركات مصرية كثيرة يسهم فيها الأجانب بأموالهم.
Page 218