Fī al-adab al-ḥadīth
في الأدب الحديث
إن اللغة توفيقية ما في ذلك ريب. ولا بد للأديب الذي يبغي التفوق والخلود من أن يلم بها إلماما تاما، ويعرف أسرارها ودقائقها وشتى أساليبها، ولمن يتأتى له ذلك بإدمان القراءة في كتب الأدب قديمها وحديثها، وحفظ الجيد من روائع الشعر والنثر، ولكن الذي نلوم عليه الشعراء في ذلك الوقت هو جمودهم، وتقليدهم لهذا الأدب موضوعا وأسلوبا وبيانا، مع أن صور البيان القديمة لا يناسب كثير منها العصر الذي نعيش فيه. إن ألفاظ اللغة مثل اللبنات التي يشيد بها البيت، وهندسة البيوت تتغير من عصر إلى عصر تبعا لحالة الناس من البداوة والحضارة، والغنى والفقر. والتعليم والجهل، فإذا كنا في عصرنا الحاضر نشديد بيوتا كما كان يشيدها العرب في العصر العباسي، ولا نلتفت إلى ما يتطلبه عصرنا، وما عرفناه عند غيرنا من فن حديث في البناء، كان ذلك ولا شك سوء استعمال. وإذا وصف "شوقي" مركب أم المحسنين بالهودج، مع أنها كانت تركب سيارة فخمة تطوي الأرض طيا، وحفلت بشتى ألوان الراحة، كان ذلك أيضا سوء استعمال، وسوء اختيار. والله در حافظ إبراهيم حين وصف الشعر في ذلك الوقت، وصرخ صرخة مدوية يطلب فيها التجديد بقوله:
ملأنا طباق الأرض وجدا ولوعة ... بهند ودعد والرباب وبوزع
وملت بنات الشعر منا مواقفا ... بسقط اللوى الرقمتين ولعلع
وأقوامنا في الشرق قد طال نومهم ... وما كان نوم الشعر بالمتوقع
تغيرت الدنيا وقد كان أهلها ... يرون متون العيش ألين مضجع
وكان يريد العلم عيرا وأينقا ... متى يعيها الإيجاف في البيد تطلع
فأصبح لا يرضى البحار مطية ... ولا السلك في تياره المتدفع
وقد كان كل الأمر تصويب نبلة ... فأصبح بعض الأمر تصويب مدفع
ونحن كما غنى الأوائل لم نزل ... نغني بأرماح بيض وأدرع
عرفنا مدى الشيء القديم، فهل مدى ... لشيء جديد حاضر النفع ممتع # وحين قال مخاطبا الشعر:
Page 34