14
وكان روسو يعتقد، على عكس أديسون وفولتير، أن الموسيقى الإيطالية تعبر عن انفعالات الشعب الإيطالي ومشاعره. أما اللغة الفرنسية فهي لغة فكرية جافة، مما يجعل الموسيقى الفرنسية تعاني على الدوام صعوبات فنية ناتجة عن طبيعة الصعوبات اللغوية «فليس في الموسيقى الفرنسية وزن ولا لحن؛ لأن اللغة تفتقر إليهما . وهناك حقائق لا سبيل إلى الشك فيها، هي أن الغناء الفرنسي صراخ مستمر، لا تطيقه الأذن المنصفة، وأن هارمونياتها خشنة خالية من التعبير، ولا توحي إلا بموضوع إنشاء تافه لتلميذ صغير، وأن «الآريات» الفرنسية ليست آريات والريسيتاتيف (التلاوة) الفرنسي ليس ريسيتاتيف. ومن هذه الحقائق استنتج أنه ليس للفرنسيين ولا يمكن أن تكون لهم موسيقى، أو أنه إذا أصبح لهم موسيقى يوما ما، فستكون هذه أسوأ موسيقى يمكن تصورها.»
15
ولقد كان روسو بدوره، شأنه شأن معظم فلاسفة العصور القديمة والعصور الوسطى وعهد الإصلاح الديني، يزدري الموسيقيين الذين يكتبون موسيقى بلا كلمات؛ فموسيقى الآلات تحتل في مذهبه الجمالي مكانة ثانوية؛ ولذلك قال: «إذا لم تكن الموسيقى قادرة على التصوير إلا باللحن، ومنه تستمد كل قوتها، فإنه يترتب على ذلك أن كل موسيقى غير غنائية مهما كان من توافقها ليست إلا موسيقى من النوع المحاكي، ولا تستطيع بهارمونياتها الجميلة أن تؤثر في النفس أو تصور شيئا، وسرعان ما تترك الأذن والقلب جامدا لا يتأثر .»
16
ثم يضيف روسو ساخرا وفي ذهنه إشارة صريحة إلى رامو: إن الصوت البشري في موسيقى نصير الأوبرا الفرنسية الكبيرة (جراند أوبرا)، لا يستخدم إلا بوصفه «مصاحبة للاصطحاب» كذلك حمل، كالقدماء وكثير من المفكرين النظريين في العصور الوسطى، على استخدام الكتابة الكنترابنطية. ولم ينكر روسو أن اللحنين اللذين يؤديان متفقين أحيانا، ومتقابلين أحيانا أخرى يمكن أن يتصفا بالجمال، غير أنه آثر البساطة على التعقيد؛ إذ إن الطبيعة ذاتها من وجهة نظره الفلسفية بسيطة في أساسها.
ولقد قام روسو بدور مزدوج، هو دور فيلسوف عصر التنوير الذي يدعو إلى العودة إلى الطبيعة بوصفها شفاء من كل الشرور الاجتماعية، ودور الموسيقي الذي وضع مذهبا جماليا عقليا في الموسيقى، مبنيا على مبادئ ميتافيزيقية. ولم يكن يجد غضاضة في إصدار أحكام قطعية، سواء بوصفه فيلسوفا أم بوصفه موسيقيا، ولكنه كتب في بحث بعنوان: «رسالة في الموسيقى الفرنسية
Lettre sur la musique francaise » (1753م) يقول: «... إنني أعترف بأني لا بد أن أزدري شعبا يولي أهمية مفرطة لأغانيه، ويضع موسيقييه في مرتبة أرفع من فلاسفته، ويضطر المرء إذا عاش بين ظهرانيه أن يتحدث عن الموسيقى بدقة وحرص يفوق حديثه عن أخطر المسائل الأخلاقية.»
17
وهو يقول أيضا: «... إن مهمة الشاعر هي أن يكتب شعرا ومهمة الموسيقي هي أن يؤلف موسيقى، ولكن الفيلسوف وحده هو القادر على أن يبحث في هذا وذاك معا.»
Unknown page