Fatḥ al-Qadīr
فتح القدير
Publisher
دار ابن كثير،دار الكلم الطيب - دمشق
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٤ هـ
Publisher Location
بيروت
Regions
•Yemen
Empires & Eras
Zaydī Imāms (Yemen Ṣaʿda, Ṣanʿāʾ), 284-1382 / 897-1962
وَحْشِيَّةً. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ قَوْلَهُ: تُثِيرُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ. وَالْمَعْنَى: إِيجَابُ الْحَرْثِ لَهَا وَالنَّضْحِ بِهَا. وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُثِيرَةً سَاقِيَةً لَكَانَتْ مُذَلَّلَةً رَيِّضَةً، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهَا. وَقَوْلُهُ: مُسَلَّمَةٌ مُرْتَفِعٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أوصاف البقرة، ويجوز أن يكون مُرْتَفِعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ هِيَ مُسَلَّمَةٌ. وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ، وَالْمُسَلَّمَةُ: هِيَ الَّتِي لَا عَيْبَ فِيهَا وَقِيلَ مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعَمَلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ نَفَى ذَلِكَ عَنْهَا، وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، وَالْإِفَادَةُ أَوْلَى مِنَ الْإِعَادَةِ. وَالشِّيَةُ أَصْلُهَا وَشِيَةٌ، حُذِفَتِ الْوَاوُ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ يَشِي، وَأَصْلُهُ يَوْشِي، وَنَظِيرُهُ الزِّنَةُ وَالْعِدَةُ وَالصِّلَةُ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَشِيَ الثَّوْبُ: إِذَا نُسِجَ عَلَى لَوْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَثَوْرٌ مُوَشًّى: فِي وجهه وقوائمه سواد. وَالْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الْبَقَرَةَ خَالِصَةُ الصُّفْرَةِ لَيْسَ فِي جِسْمِهَا لَمْعَةٌ مِنْ لَوْنٍ آخَرَ. فَلَمَّا سَمِعُوا هَذِهِ الْأَوْصَافَ الَّتِي لَا يَبْقَى بَعْدَهَا رَيْبٌ وَلَا يُخَالِجُ سَامِعَهَا شَكٌّ، وَلَا تَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، أَقْصَرُوا مِنْ غِوَايَتِهِمْ، وانتبهوا من رقدتهم وعرفوا بمقدار مَا أَوْقَعَهُمْ فِيهِ تَعَنُّتُهُمْ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أَيْ أَوْضَحْتَ لَنَا الْوَصْفَ، وَبَيَّنْتَ لَنَا الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَجِبُ الْوُقُوفُ عندها، فحصلوا على تِلْكَ الْبَقَرَةَ الْمَوْصُوفَةَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فَذَبَحُوها وَامْتَثَلُوا الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ يُسْرًا فَعَسَّرُوهُ، وَكَانَ وَاسِعًا فَضَيَّقُوهُ وَما كادُوا يَفْعَلُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ لِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنَ التَّثَبُّطِ وَالتَّعَنُّتِ وَعَدَمِ الْمُبَادَرَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِلِاسْتِبْعَادِ، وَمَحَلًّا لِلْمَجِيءِ بِعِبَارَةٍ مُشْعِرَةٍ بِالتَّثَبُّطِ الْكَائِنِ مِنْهُمْ، وَقِيلَ إِنَّهُمْ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ لِعَدَمِ وِجْدَانِ الْبَقَرَةِ الْمُتَّصِفَةِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَقِيلَ لِارْتِفَاعِ ثَمَنِهَا، وَقِيلَ لِخَوْفِ انْكِشَافِ أَمْرِ الْمَقْتُولِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ إِمْكَانِ الْفِعْلِ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الْمَزِيدَةَ بِسَبَبِ تَكَرُّرِ السُّؤَالِ هِيَ مِنْ بَابِ التَّقْيِيدِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ لَا مِنْ بَابِ النَّسْخِ، وَبَيْنَ الْبَابَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ. الثَّانِي: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ النَّسْخِ لَا مِنْ بَابِ التَّقْيِيدِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالُوهُ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُمْ بَعْدَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَعْمِدُوا إِلَى بَقَرَةٍ مِنْ عَرَضِ الْبَقَرِ فَيَذْبَحُوهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ بَعْدَ الْوَصْفِ بِكَوْنِهَا جَامِعَةً بَيْنَ الْوَصْفِ بِالْعَوَانِ وَالصَّفْرَاءِ، وَلَا دليل يدل على هَذِهِ الْمُحَاوَرَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ وَاقِعَةٌ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ هذه الأسئلة المتعنتة كانوا يتواطؤون عَلَيْهَا، وَيُدِيرُونَ الرَّأْيَ بَيْنَهُمْ فِي أَمْرِهَا ثُمَّ يُورِدُونَهَا، وَأَقَلُّ الْأَحْوَالِ الِاحْتِمَالُ الْقَادِحُ فِي الِاسْتِدْلَالِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَقِيمًا لَا يُولَدُ لَهُ وَكَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ ابْنُ أَخِيهِ وَارِثَهُ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ لَيْلًا فَوَضَعَهُ عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَسَلَّحُوا، وَرَكِبَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ ذُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: عَلَامَ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ فِيكُمْ؟ فَأَتَوْا مُوسَى فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً الآية، قال: فَلَوْ لَمْ يَعْتَرِضُوا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ أَدْنَى بَقَرَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْبَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا، فَوَجَدُوهَا عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ بَقَرَةٌ غَيْرُهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ
1 / 116