حِفظ ما لم يُنقل إليهم، قاله المصنف رحمه اللَّه تعالى (١).
(على أمتي أربعين حديثًا من) تبعيضية (أمر) شأن (دينها. . بعثه اللَّه تعالى يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء) واعترض تفسيره الحفظَ بما ذكر بأن البعث في زمرة الفقهاء والعلماء يستدعي حفظ المعاني؛ إذ لا يُسمَّى فقيهًا عالمًا إلا به.
وقد يُجاب بأن بَعْث الحافظ في زمرتهم لا يستدعي أنه مساوٍ لهم، بل يكفي أنه منسوبٌ إليهم نسبةً ما، ألا ترى أن المرء يحشر مع من أحب وإن لم يعمل بعملهم (٢)، ولا شك أن الناقل المذكور منسوبٌ إليهم كذلك فحشر معهم.
ولا يعترض عليه أيضًا بتفسير البخاري (أحصاها) في حديث: "إن للَّه تسعةً وتسعين اسمًا، من أحصاها. . دخل الجنة" بمن حفظها مستظهرًا (٣)؛ لأن المدار ثَمَّ على التبرُّك بذكرها، والتعبُّد بلفظها، ولا يتمُّ ذلك إلا بحفظها عن ظهر قلب، والمدار هنا على نفع المسلمين، وهو لا يحصل إلا بالنقل، بخلاف مجرد الحفظ من غير نقلٍ؛ فإنه لا نفع لهم به، فلم يشمله الحديث؛ إذ المقرر: أنه يجوز أن يستنبط من النص معنًى يخصصه، على أن أصل الحفظ: ضبط الشيء ومنعه من الضياع.
فمن حفظ الأربعين في كتابه، ثم نقلها إليهم. . دخل في ذلك الوعد وإن لم يحفظها عن ظهر قلب، ومن حفظها بقلبه ولم ينقلها. . لم يشمله الوعد، قيل: وإن كتبها في عشرين كتابًا، وفيه نظر؛ لأن كتابتها نقلٌ لها.
ثم نقلها إن كان بطريق استخراجها وتدوينها كما فعل البخاري ومسلم ومن شابههما. . كان مقتضيًا لدخول فاعله في ذلك الوعد السابق بلا توقف، وإن كان بأخذها من
(١) ذكره المصنف رحمه اللَّه تعالى في آخر "الأربعين" في (باب الإشارات إلى ضبط الألفاظ المشكلات) انظر (ص ٦٤٧) آخر هذا الكتاب.
(٢) أخرج مسلم في "صحيحه" (٢٦٣٩/ ١٦٣) عن سيدنا أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه؛ متى الساعة؟ قال: "وما أعددت للساعة؟ " قال: حب اللَّه ورسوله، قال: "فإنك مع من أحببت" قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي ﷺ: "فإنك مع من أحببت"، قال. أنس: فأنا أحب اللَّه ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.
(٣) أخرجه البخاري (٧٣٩٢)، ومسلم (٦/ ٢٦٧٧) عن سيدنا أبي هريرة ﵁، وفسر الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى عقبه قوله تعالى: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ بـ (حفظناه)، وللمزيد انظر "شرح صحيح مسلم" (١٧/ ٥).
1 / 102
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]