(فمن هم بحسنة) أي: أرادها وترجَّح عنده فعلها، فعُلم منه بالأولى حكم العزم، وهو الجزم بفعلها والتصميم عليه (فلم يعملها. . كتبها اللَّه عنده) هذه عِنْدِيَّة شرفٍ ومكانةٍ؛ لتنزهه تعالى عن عندية المكان (حسنةً) لأن الهمَّ بالحسنة سببٌ إلى عملها، وسبب الخير خيرٌ، فالهمُّ بها خيرٌ، وفي رواية لمسلم: "إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنة. . فأنا أكتبها له حسنة" (١)، وظاهرٌ أن المراد بالتحدث: الهمُّ، ويؤيده الخبر الآخر: "من هم بحسنةٍ فلم يعملها، فعلم اللَّه تعالى أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها. . كتبت له حسنة" (٢)، فالحرص عليها مستلزمٌ للعزم الذي هو ترجيح الوقوع كما مر، ومخرج للخطرة التي تخطر ثم تنفسخ من غير عزمٍ ولا تصميم.
واستفيد من ذكر الحسنة هنا والمضاعفة فيما يأتي: اختصاص المضاعفة بمن عمل دون مَنْ نوى، فهما في الأصل سواءٌ وإن اختص العامل بالتضعيف (٣)، وعلى هذا يحمل حديث أحمد والترمذي وابن ماجه: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللَّه تعالى مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم للَّه فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اللَّه علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، فيقول: لو أن لي مالًا. . لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه اللَّه تعالى مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علمٍ، لا يتقي فيه ربه تعالى، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم للَّه حقًا فيه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا. . لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء" (٤).
(كاملة) ذكره؛ لئلا يظن أن كونها مجردَ همٍّ ينقص ثوابها (وإن هم بها فعملها. . كتبها اللَّه عنده عشر حسنات) لأنه أخرجها من الهم إلى ديوان العمل، فكُتِب له بالهَمِّ
(١) صحيح مسلم (١٢٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٣٤٥) عن سيدنا خريم بن فاتك ﵁.
(٣) قوله: (وإن اختص العامل بالتضيف) ولو مرَّ عليه أزمنة متعددة وهو يحدث نفسه بعمل تلك الحسنة. . فإن اللَّه تعالى يكتب له حسنات بعدد تلك الأزمنة. اهـ "شبرخيتي" (ص ٢٧٤)
(٤) مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٣١)، وسنن الترمذي (٢٣٢٥)، وسنن ابن ماجه (٤٢٢٨) عن سيدنا أبي كبشة الأنماري ﵁.
1 / 584
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]