لبعضهم على بعض، والقيام به مع عدم تعيُّنه أفضل منه مع تعيُّنه.
نعم؛ القيام بفرض عينٍ لذاته أفضل منه بفرض الكفاية ما لم يتعيَّن على خلافٍ فيه، ولا ينافي ما تقرر من الوجوب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآيةَ؛ لأنه ﷺ سُئِل عنها فقال: "ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوًى متبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، ورأيت أمرًا لا يد لك به. . فعليك بنفسك. . ." الحديث (١).
ففيه تصريحٌ بأن الآية محمولةٌ على ما إذا عجز المنكِر عن إزالة المنكَر، ولا شك في سقوط الوجوب حينئذٍ، على أن معناها عند المحققين: إنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتم به. . لا يضركم تقصير غيركم، نحو: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ومما كُلِّفنا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يمتثلهما المخاطب. . فلا عتب حينئذ؛ لأن الواجب الأمر والنهي لا القبول.
(فإن لم يستطع) الإنكار بلسانه. . (فبقلبه) (٢) ينكر بأن يكره ذلك به، ويعزم أنه لو قدر عليه بقولٍ أو فعلٍ. . أزاله؛ لأنه يجب كراهة المعصية، فالراضي بها شريكٌ لفاعلها، فإن كان رضاه بها لاستحلالها. . كفر إن أُجمع عليها وعُلمت من الدين بالضرورة، أو لغلبة الهوى والشهوة. . فسق ولم يكفر، وهذا واجبٌ عينًا على كل أحد، لقدرة كل أحدٍ عليه، بخلاف اللَّذَيْنِ قبله.
فعلم من الحديث وما قررته فيه أنه يجب تغيير المنكر بكل طريقٍ أمكنه، فلا يكفي الوعظ لمن أمكنه إزالته بيده، ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان.
ويرفق في التغيير بمن يخاف شره وبالجاهل، فإن ذلك أدعى إلى حصول المقصود، ومن ثم سُنَّ أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل، وقد قال
(١) أخرجه ابن حبان (٣٨٥)، وأبو داوود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨) عن سيدنا أبي ثعلبة الخشني ﵁. وشرائط الأمر بالمعروف ثلاثة: صحة النية من إعلاء كلمة اللَّه وإعلاء كلمة الدين، والثاني: معرفة الحجة، والثالث: الصبر على ما يصيبه من المكروه. اهـ هامش (غ)
(٢) تنبيه: ظاهر كلامهم أن الأمر والنهي بالقلب من فروض الكفاية، وفيه نظرٌ ظاهر، بل الوجه: أنه فرض عين؛ لأن المراد منهما الكراهة والإنكار به، وهذا لا يتصور قيه أن يكون إلا فرض عين، فتأمله، فإنه مهم نفيس. اهـ هامش (غ)
1 / 545
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]