جهاد الكفار، وأن هذا هو الجهاد الأصغر، وذاك هو الجهاد الأكبر؛ إذ منعها هواها من أجلِّ ما اقتناه الإنسان، ومن أعظم آدابها الصمتُ وترك الكلام فيما لا يعني، ومن ثم قال ﷺ: "من صمت. . نجا" (١).
(قلت: بلى يا رسول اللَّه، فأخذ) ﷺ (بلسانه) أي: أمسك لسان نفسه، وهو يُذكَّر ويؤنَّث، وقد يطلق على نفس الكلام مجازًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي: بلغتهم.
(ثم قال: كُفَّ عليك) أي: عنك، أو ضُمِّن (كف) معنى (احبس) (هذا) أي: عن الشر؛ للخبر السابق: "فليقل خيرًا، أو ليصمت" (٢) وجمع بين إمساكه وقوله ذلك؛ مع أنه كان يمكنه أن يقول: كف عليك لسانك؛ لأن النفس بالحسيات آلفُ منها بالعقلبات؛ لتأخُّر زمن إدراك هذه عن زمن إدراك تلك، فكان ذكر المعنى العقلي الجلي ثم تعقيبه بالتمثيل الحسي أبلغَ وأوقعَ في النفس؛ لما فيه من زيادة القوة بنقله من الخفاء إلى الظهور على أكمل وجهٍ وأبلغه؛ وهذا هو السبب في قول إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: ليزداد قوةً يقينية بمشاهدة المعقول عيانًا؛ إذ عين اليقين أقوى من مجرد علمه.
ومن ثم كان قولك: هذا الماء والنار كيف يجتمعان أبلغ من قولك: الماء والنار كيف يجتمعان؛ لأن الإشارة إليهما أوجبت للعقل زيادة شعورٍ واستحضارٍ لهما لا يوجد عند مجرد ذكرهما من غير إشارة.
(قلت: يا نبي اللَّه (٣)؛ وإنا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟!) استفهامُ استثباتٍ وتعجبٍ واستغرابٍ، ولا ينافي خفاء هذا عليه قوله ﷺ في حقه: "أَعْلمُكُم بالحلال والحرام معاذ" (٤) لأنه إنما صار أعلَمَهُمْ بالحلال والحرام بعد هذا
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٠١)، والدارمي (٢٧٥٥)، والإمام أحمد (٢/ ١٥٩) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٢) تقدم تخريجه والكلام عليه (ص ٣١٧) وهو الحديث الخامس عشر من أحاديث المتن.
(٣) في النسخ كلها إلا (غ): (يا رسول اللَّه) والمثبت منها، ومن نسخ المتن، ومن "سنن الترمذي".
(٤) أخرجه الترمذي (٣٧٩١) عن سيدنا أنس ﵁.
1 / 489
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]