والجهاد هو ذروة السنام؛ لأن ذورة الشيء أعلاه، والجهاد أعلى أنواع الطاعات؛ من حيث إن به يظهر الإسلام، ويعلو على سائر الأديان، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو أعلاها بهذا الاعتبار وإن كان فيها ما هو أفضل منه، وعلى هذا يحمل قول بعض الشراح: الجهاد لا يقاومه شيءٌ من الأعمال، ويؤيد ما ذكرته خبر: (أنه يوزن مداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) (١)، ومعلوم أن أعلى ما للشهيد دمه، وأدنى ما للعالم مداده، فإذا لم يف دم الشهداء بمداد العلماء. . كان غير الدم من سائر فنون الجهاد كَلَا شيءٍ بالإضافة إلى ما فوق المداد من فنون العلم.
واعلم: أنه صح أنه ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال تارةً: "الصلاة لأول وقتها" (٢)، وتارةً: "الجهاد" (٣)، وتارةً: "بر الوالدين" (٤) وحمل على اختلاف أحوال السائلين، فأجاب كلًّا بما هو الأفضل بالنسبة لحاله.
وأما الأفضل على الإطلاق بعد الشهادتين. . فهو الصلاة عندنا؛ فنفلها أفضل النوافل، وفرضها أفضل الفروض؛ لما صح من قوله ﷺ: "الصلاة خير موضوع" (٥)، وفي روايةٍ صحيحةٍ أيضًا: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة" (٦) وقيل: أفضلها الجهاد؛ لهذا الحديث، وحديث: أنهم قالوا: يا رسول اللَّه؛ ما يعدل الجهاد؟ فقال: "لا تطيقونه" ثم ذكروا سؤالهم فقال: "لا تطيقونه" ثم قال: "أيستطيع أحدكم أن يدخل بيتًا فيصوم ولا يفطر، ويصلي ولا يفتر؟ " فقالوا:
(١) ذكره الديلمي في "الفردوس" (٨٨٤٠) عن سيدنا أبي هريرة ﵁ بنحوه.
(٢) أخرجه أبو داوود (٤٢٦)، والترمذي (١٧٠) عن سيدتنا أم فروة ﵂.
(٣) أخرجه ابن منده في "الإيمان" (٤٥٥)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٧/ ٤٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٣/ ٢٧٦) عن سيدنا أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) انظر "فتح الباري" (٥/ ١٤٩).
(٥) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢٤٥) عن سيدنا أبي هريرة ﵁. وقوله: (خير موضوع) أي: خير شيءٍ وضعه الشارع ليتعبد به. انتهى شيخنا، وهو بالإضافة؛ ليظهر به الاستدلال على فضل الصلاة على غيرها، وأما ترك الاضافة وإن صح. . فلا يحصل معه المقصود؛ لأن ذلك موجودٌ في كل قربة. اهـ "فتوحات الوهاب على فتح الوهاب" (١/ ٤٩٣)
(٦) أخرجه ابن حبان (١٠٣٧)، وابن ماجه (٢٧٧) عن سيدنا ثوبان ﵁.
1 / 487
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]