700

Fatḥ al-bayān fī maqāṣid al-Qurʾān

فتح البيان في مقاصد القرآن

Publisher

المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر

Publisher Location

صَيدَا - بَيروت

Regions
India
وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)
(وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) بالياء والنون (أجورهم) أي يعطيهم إياها كاملة موفرة (والله لا يحب الظالمين) نفي الحب كناية عن بغضهم، واستعمال عدم محبة الله في هذا المعنى شائع في جميع اللغات جار مجرى الحقيقة، وهي جملة تذييلية مقررة لما قبلها.
(ذلك) إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى وغيره (نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) المشتمل على الحكم أو المحكم الذي لا خلل فيه.
(إن مثل عيسى عند الله) أي شأنه الغريب، والجملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها تعلقًا صناعيًا بل تعلقًا معنويًا، وزعم بعضهم أنها جواب قسم، وذلك القسم هو قوله (والذكر الحكيم) فالواو حرف جر لا حرف عطف وهذا بعيد أو ممتنع إذ فيه تفكيك لنظم القرآن وإذهاب لرونقه وفصاحته.
(كمثل آدم) في الخلق والإنشاء تشبيه عيسى بآدم في كونه مخلوقًا بغير أب كآدم ولا يقدح في التشبيه اشتمال المشبه به على زيادة وهو كونه لا أم له كما أنه لا أب له، فذلك أمر خارج عن الأمر المراد بالتشبيه وإن كان المشبه به أشد غرابة من المشبه وأعظم عجبًا وأغرب أسلوبًا، وعبارة الكرخي هو تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس، وبه قال السيوطي.
(خلقه من تراب) جملة مفسرة لما أبهم في المثل وخبر مستأنف على جهة التفسير لحال خلق آدم أي أن آدم لم يكن له أب ولا أم بل خلقه الله من تراب، وقدره جسدًا من طين، وفي ذلك دفع لإنكار من أنكر خلق عيسى من

2 / 253