299

al-fatāwā al-kubrā

الفتاوى الكبرى

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٨هـ - ١٩٨٧م

وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لِأَصْحَابِهِ أَنَّ السُّجُودَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ، لَكَانَ هَذَا مَا يَعْلَمُهُ عَامَّتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ مَعَهُ، وَكَانَ هَذَا شَائِعًا فِي الصَّحَابَةِ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَوْجَبَ الطَّهَارَةَ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَعْلَمِهِمْ، وَأَفْقَهِهِمْ، وَأَتْبَعِهِمْ لِلسُّنَّةِ، وَقَدْ بَقِيَ إلَى آخِرِ الْأَمْرِ وَيَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، كَانَ هُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ لَهَا، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا أَوْجَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَكَانَ ذَلِكَ شَائِعًا بَيْنَهُمْ كَشِيَاعِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَابْنُ عُمَرَ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْجَبَ الطَّهَارَةَ فِيهَا. وَلَكِنْ سُجُودُهَا عَلَى الطَّهَارَةِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُكْرَهُ سُجُودُهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَيَمَّمَ، وَقَالَ: «كَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ» . فَالسُّجُودُ أَوْكَدُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ. لَكِنْ كَوْنُ الْإِنْسَانِ إذَا قَرَأَ وَهُوَ مُحْدِثٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّجُودُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ إلَّا بِطَهَارَةٍ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَمَا ذُكِرَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْكِتَابِ»، وَالطَّوَافُ وَالسُّجُودُ لَا يُقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْكِتَابِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» .

1 / 349