Fatāwā qāḍīʾl-jamāʿa ibn sirāj al-andalusī

فتاوى قاضي الجماعة ابن سراج الأندلسي

Editor

د/ محمد أبو الأجفان [ت ١٤٢٧ ه]

Publisher

دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م

ـ[فتاوى قاضي الجماعة ابن سراج الأندلسي]ـ
المؤلف: أبو القاسم محمد بن سراج الأندلسي (المتوفى: ٨٤٨هـ)
المحقق: د/ محمد أبو الأجفان
الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: الثانية، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Unknown page

الطهارة
طهارة ما تخلل من الخمر
سئل عن خمر تَخَلَّلَ بنفسه في آنيته التي جُعل فيها، وهو يبلغ منها إلى النصف.
فهل هذا الخل طاهرٌ أم لا؟
وهل ما علا الخلَّ من الخابيةِ طاهرٌ أم لا؟
فأجاب: إن الخمر التي تخللتْ تطهرُ باتفاقٍ، هي وما يحاذيها من الآنية ويجوز الانتفاع بخلّها. لكن يُثقب أسفل الإناء ويُخرج الخل منه، ولا يخرج من أعلاها لأنه نجس فيمر فيه بعض الخل وينحدر إلى الإسفل فينجسه. وأما الشقف الأعلى فإن كان مزجَّجًا فيبالَغُ في غسله، وإن كان غير مزجَّجٍ فلا يكفيه ذلك، بل إذا بُولِغ في غسله جُعل فيه الماء وتُرك مدةً ثم يُراق، ثم يُجعل مرة أخرى ويُترك فيه مدةً ويُراق، ولا يزال يفعل

1 / 83

هكذا حتى يخرج الماء صافيًا لا تغير فيه، ويطهر على الراجح من الخلاف فيه
طهارة آنية الخمر
وسئل عن آنية الخمر، هل تطهر أم لا؟
فأجاب: إن كانت من حديدٍ أو من نحاسٍ أو من فخار مزجج، فإنَّها إذا غُسلت بالماء يُنتفع بها في كل شيءٍ من خلٍّ وغيره، وأما إن كانت من فخار غير مزجج فتُغسل ويُنتفَعُ بها في اليابسات، يجعل فها دقيقٌ أو قمح أو غير ذلك. وأما الأشياءُ المائعاتُ من ماء أو زيتٍ أو خل فلا يُجعلُ فيها حتى يُغلَّى فيها الماءُ فذلك تطهيرها؛ وأما بمجرد الماء من غير تغليةٍ فلا، ويظهر - والله أعلم - أنه إذا أوقد النارَ وجُعلت عليه حتى حميت وانحلَّ كلُّ ما فيها من زفت، واحترق حتى ذهب وصب الماء فيها وهي محميةٌ، إن ذلك يقوم مقام تغليةِ الماءِ فيها.
الانتفاع بآنية الخمر
وسئل هل يجوز الانتفاع بآنية الخمر إذا تخلَّلَ الخمرُ فيها من غير صنيع آدمي فيها أم لا؟
فأجاب: أما ما يحاذي الخمر من الشقف فإنه يطهر، وما يكون أعلى

1 / 84

وكانت الخمر قد لاقته فإن كان مزججًا أو حديدًا غسل غسلًا جيدًا ويجعل فيها الماء ويبقى فيه مدة ويُراق، ثم يعمل له ذلك مرارًا، فإذا ظهر أنه لا يخرج في الماء أثَرٌ طهر.
الزيت تقع فيه الفأرة
وسئل عن الزيت تقع فيه الفأرة؟
فأجاب: المشهور في الزيت النجس أنه لا يطهر بالغسل.
وقيل: إنه يطهر به، ويجوز بيعه إذا طهر بعد التبيين وهذا القول له وجه، فمن قلده لم يعترض.
وكيفية الغسل: أن يُجعل في إناء؛ قصرية أو ظرف أو غيرهما، ويصب عليه الماء. وإن كان معقودًا في زمن الشتاء كان الماء سخنًا، ويُمزج بالماء حتى يختلط ثم يترك حتى يرتفع الزيت ويؤخذ من الماء، ويُجعل في إناءٍ آخر، ويُفعل له ذلك ثلاث مرات فأكثر ثم يُنتفع به، وكما تقدم.

1 / 85

التقاء الختانين في النوم
وسئل: في حكم التقاء الخِتَانين في النوم؟
فأجاب: التقاء الختانين إنما يُعتبر في اليقظة، أما في النوم فلا، فإذا رآه الإنسان في النوم ثم استيقظ، فإذا رأى احتلامًا وجب عليه الغُسْلُ، وإن لم يجد شيئًا ولم يخرج منه شيء فلا شيء عليه، ولو رأى أنه أنزل الماء الدافق في نومه.

1 / 86

الصلاة
الانحراف عن القبلة
وسئل: عن مسألة إمام كبير يؤم الناسَ بالمسجد الأعظم من ذلك القطر، وينحرف بداخل المحراب لجهة المشرق انحرافًا كثيرًا، مع أنَّ المحرابَ على خمسة وأربعين جزءًا، كما هي أكثر المحاريب بمساجد الأندلس، فهل يسوغ ذلك - يا سيدي - للإمام ويلزم المأمومين اتباعُه في ذلك وينحرفون معه؟ أو لا يسوغ ذلك له؟ وعلى فرض جواز ذلك له هل يلزمهم اتباعه في ذلك وتصح صلاتهم؟
يبنوا لنا الحكمَ في ذلك كله بيانًا شافيًا مأجورين.
والسلام الكريم يخص جلالكم العظيم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
تصفحت السؤال أعلاه.
والجواب، وبالله التوفيق: إنه لا ينبغي للإمام أن ينحرف الانحراف المسؤولَ عنه، لأن المحراب المنصوب بمصر كبير يعلم أن نصبه باجتماع كثير من الناس والعلماء، وذلك مما يدل على صحته ونصبه باجتهاد. وقد نص العلماء، رضيالله عنهم، أن المحاريب التي بالأقطار الكبار يصح تقليدها.
ووجه آخر وهو أن قبلة المسجد المذكور، إن كانت كما ذكر، على خمسة وأربعين جزءًا في الربع الجنوبي الشرقي، فإنها إلى جهة الكعبة بلا إشكال، سواء استدللنا عليها بأدلة شرعية أو بطريق الآلات، ومن اختبر ذلك تبين له صحة ما ذكرته، ثم إن هذا الإمام لا يخلو إما أن يعترف بصحة قبلة

1 / 87

المسجد أو لا؟ فإن اعترف بصحته فلا معنى لانحرافه مع ما فيه من التنفير، وقد قال النبي ﷺ: سَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا وإن زعم خللها فيبحث معه بما قرره العلماء في استخراج جهة القبلة، مع أنه يلزم على قوله، إن قال هذا، أن لا يجوز لمن لا
ينحرف انحرافه أن يأتمَّ به، لأنَّ المصلّين إذا اختلفوا في القبلة لم يجز أن يأتمَّ بعضُهم ببعض.
والسلام على من يقف عليه من محمد بن سراج وفقه الله انتهى.

1 / 88

رد ابن سراج على معارضة القرباقي لفتواه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، تصفحت الاعتراض المكتوب قبل هذا على جوابي المكتوب قبله.
والجواب وبالله التوفيق: أنه اختلف فيمن لم يعاين مكة، شرفها الله تعالى، هل يجب عليه استقبال القبلة؟ وهو المشهور في مذهبنا وهو مقتضى قول مالك في المجموعة، لأنه لما نقل فيها قول عمربن الخطاب رضيالله عنه: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه قبل البيت، قال مالك: وهو الأمر عندنا؛ وهو قول جمهور العلماء، والمشهور من مذهب الشافعية وهو قول أبي حنيفة وأحمدبن حنبل.

1 / 90

والقول الثاني أنه يجب طلب السمت وهو قول ابن القصار من علماء مذهب مالك، ومال إليه الباجي، وهو قول بعض علماء الشافعية، ورأى ابن القصار أن السمت يكون كما تسامت النجوم، وقد استشكل المازري القولَ بطلب السمت ورأى أنه لا يحصل بالجسم مع البعد، وإنما يكون بالأبصار، ورأى أنه لا ينبني على الخلاف فرع، فرأى أن القولين يرجعان إلى معنى واحد، فوجهُ القول باعتبار الجهة قوله ﷺ: ما بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةً رواه الترمذي وصححه ونقله عن جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب،

1 / 91

وابن عباس ﵃ ونقله الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن ابن عباس أيضًا وابن الحنفية ونقل أبو عمر عن عثمان أنه قال: كيف يخطئ أحد صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة؟! وعن أحمد بن خالد قال في قول عمر ما بين المشرق والمغرب قبلة: في هذا سعة للناس أجمعين، قيل له:
أنتم تقولون هذا في المدينة؟ قال: نحن وهم سواء، والسعة في القبلة للناس كلهم، قال: وهؤلاء المشرقون لا علم عندهم بسعة القبلة.
ومما يدل على صحة طلب الجهة ما ثبت في الصحيح أن أهل قباء كانوا يصلّون فجاءهم آت وأخبرهم أنَّ النبي ﷺ أنزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة فاستداروا وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.

1 / 92