Fatāwā al-Subkī
فتاوى السبكي
Publisher
دار المعارف
ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْإِشَارَةِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (هَؤُلَاءِ) وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُسَمَّيَاتِ الْخَيْلُ فَلْتَكُنْ مَوْجُودَةً حِينَئِذٍ، وَالْأَسْمَاءُ عَامٌّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مُؤَكَّدَةٌ بِقَوْلِهِ (كُلَّهَا) فَيَقْوَى الْعُمُومُ فِيهِ، وَالْمُسَمَّيَاتُ لَا بُدَّ مِنْ إرَادَتِهَا بِقَوْلِهِ (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) وَقَوْلِهِ (بِأَسْمَائِهِمْ) فَهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ فِي ذَلِكَ، وَالْعُمُومُ شَامِلٌ لِلْخَيْلِ فَمَنْ يَرَى دَلَالَةَ الْعُمُومِ قَطْعِيَّةً يَقْطَعْ بِدُخُولِهَا وَمَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ مُسْتَدِلٌّ بِهِ فِيهِ كَمَا يُسْتَدَلُّ بِسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَمِنْ الْآيَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ اقْتِضَاؤُهَا خَلْقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ السِّتَّةِ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ خَلْقَ آدَمَ خَارِجٌ عَنْ السِّتَّةِ بَعْدَهَا أَوْ حَاصِلٌ فِي آخِرِهَا بَعْدَ خَلْقِ غَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ، وَمِنْ الْآيَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَا قَبْلَهَا. فَهَذِهِ أَرْبَعُ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِيهَا كِفَايَةٌ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ الْإِسْرَائِيلِيَّات أَنَّ الْخَيْلَ خُلِقَتْ مِنْ رِيحِ الْجَنُوبِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ وَلَا نَلْتَزِمُ صِحَّتَهُ لِأَنَّا لَا نُصَحِّحُ إلَّا مَا صَحَّ لَنَا عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْخَيْلَ كَانَتْ وَحْشًا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَلَّلَهَا لِإِسْمَاعِيلَ ﵇ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ فَقَدْ تَكُونُ كَانَتْ مَخْلُوقَةً قَبْلَ آدَمَ ﵇ وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى وَحْشِيَّتِهَا إلَى عَهْدِ إسْمَاعِيلَ ﵇ أَوْ تَكُونُ كَانَتْ تُرْكَبُ فِي وَقْتٍ ثُمَّ تَوَحَّشَتْ ثُمَّ ذُلِّلَتْ لِإِسْمَاعِيلَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ دَلِيلٌ فَالْمُعْتَمَدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ وَاَلَّذِي قِيلَ فِي أَنَّ إسْمَاعِيلَ ﵇ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَهَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ إسْنَادُهُ صَحِيحًا حَتَّى نَلْتَزِمَهُ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّا لَا نَلْتَزِمُ إلَّا مَا صَحَّ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ الْحَكِيمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ بِرَفْعِ الْقَوَاعِدِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ: إنِّي مُعْطِيكُمَا كَنْزًا ادَّخَرْته لَكُمَا ثُمَّ أَوْحَى لِإِسْمَاعِيلَ أَنْ اُخْرُجْ إلَى أَجْيَادٍ فَادْعُ يَأْتِك الْكَنْزُ فَخَرَجَ إلَى أَجْيَادٍ وَلَا يَدْرِي مَا الدُّعَاءُ وَلَا الْكَنْزُ فَأَلْهَمَهُ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَرَسٌ بِأَرْضِ الْعَرَبِ إلَّا جَاءَتْهُ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَاصِيَتِهَا وَذَلَّلَهَا لَهُ، وَلَوْ ذَكَرْنَا
2 / 553