أبوها آتيًا (١) إلى أهله، وكان شديد الغيرة، فمر بكاهنة في طريقه فقال له: يرحل جملك ليلًا، وحلبة أهلك تحتلب (٢) قيلًا، وكان ثم حدث، فأقبل لا يلوي، ودخل الحي ليلًا فبدأ بامرأته فوجدها مع عياله مقبلة على ما يصلحها، فخرج إلى خباء ابنته فاستقبلته خادمها. فقال لها: ثكلتك أمك أين الفارعة؟ قالت: خرجت تمشي مع فتيات الحي لعيادة بعضهن وهي عائدة الساعة. فانتقل عنها إلى امرأته ما يشك أنها مريبة، فقالت له: إني لأعرف الشر في وجهك فلا تعجل واقف تر (٣) " لا ناقة لي فيما تكره ولا جمل " (٤) فسار قولها مثلًا.
ثم رجع إلى خباء ابنته لخادمها: والله لا ينجيك مني إلا الصدق، وسل سيفه فصدقته الخبر. قال: فأين أخذا؟ قالت: هذا الوجه. فأتبعهما، فلما صار منها غير بعيد وجد الجمل ريح مولاه فتزحزح. فقال العذري: أما ترين الجمل وحال؟ فقالت: ما كان يصنع هذا إلا إذا رأى مولاه، أو كان قريبًا منه. وجعل الجمل يريد ينبعث، وهو معقول فلا يقدر على القيام. فقالت الفارعة: لقد أوجست أمرًا، أو آنست ذعرًا، أو رأيت شرًا، فليته غاب دهرًا. فسمعها أبوها فقال: قد غبت دهرًا، فحلبت شرًا، وأتيت نكرًا. قم انتضى سيفه ففلق به هامة شبث، وقتل الجارية وانصرف بجمله وهو يقول:
لا تأمنن بعدي الجواريا ... عونًا من النساء أو عذاريا أخافها والعار والمساويا ... وقال الراعي:
وما هجرتك حتى قلت معلنةً ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل (٥)
(١) س ط: آبيًا.
(٢) س ط: تحلب.
(٣) الميداني: واقف الأثر، وكذلك في س.
(٤) الميداني: فلا ناقة لي في هذا.
(٥) هذا البيت ورد في نص أبي عبيد ابن سلام.