195

Faṣl al-khiṭāb fī al-zuhd waʾl-raqāʾiq waʾl-ādāb

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

Genres

[*] وكان عمر بن عبد العزيز يجمع العلماء فيتذكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازةَ!!
[*] وقال الحسن: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا عشيًا لا موت فيه.
ولله درُّ القائل:
أذكر الموت ولا أرهبه ... إن قلبي لغليظ كالحجر
أطلب الدنيا كأني خالد ... وورائي الموت يقفو بالأثر
وكفى بالموت فاعلم واعظًا ... لمن الموت عليه قدر
والمنايا حوله ترصده ... ليس ينجي المرء منهن المفر
فاذكروا الموت لتستعينوا بذكره على مطامع نفوسكم، وقسوة قلوبكم
اذكروه لتكونوا أرق قلبًا وأكرم يدًا، وأقبل للموعظة، وأدنى إلى الإيمان
اذكروه لتستعدوا له.
أين استعدادك للموت وسكرته؟
أين استعدادك للقبر وضمته؟
أين استعدادك للمنكر والنكير؟
أين استعدادك للقاء العلي القدير؟
فاستعدوا للموت بالتوبة التي تصفي حسابكم مع الله، وأداء الحقوق، ودفع المظالم، لتصفوا حسابكم مع الناس.
ولا تقل أنا شاب ... ولا تقل أنا عظيم ... ولا تقل أنا غني ....
فإن ملك الموت إن جاء بمهمته لا يعرف شابًا ولا شيخًا، ولا عظيما ولا حقيرًا ولاغنيًا ولا فقيرًا.
فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله. كفى بالموت مقرحًا للقلوب، ومبكيًا للعيون، ومفرقًا للجماعات، وهاذمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات.
فيا جامع المال! والمجتهد في البنيان! ليس لك والله من مالك إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ هل أنقذك من الأهوال؟ كلا .. بل تركته إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك.
أما قرأتم قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧]
وقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) [الرحمن: ٢٦،٢٧]
وقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص:٨٨]
سيموت كل صغير وكبير، وكل أمير ووزير، كل عزيز وحقير، كل غني وفقير، كل نبي وولي، وكل صحيح وسقيم ومريض وسليم، كل نفس تموت غير ذي العزة.

1 / 194