Al-Fākhir

الفاخر

Editor

عبد العليم الطحاوي

Publisher

دار إحياء الكتب العربية

Edition

الأولى

Publication Year

١٣٨٠ هـ

Publisher Location

عيسى البابي الحلبي

الفاخر
لأَِبي طالب المفضّل بن سلمة بن عاصم
بسم الله الرحمن الرحيم
حدثني أحمد بن عُبيد الله بن أحمد، قال: أملى علينا أبو بكر بن يحيى الصولي ﵀ هذا الكتاب، وكان سبب إملائه إياه علينا أن رجلًا ممن كان يحضر مجلس أبي بكر محمد بن القاسم الأنْباري ﵀، فرأى يومًا في يده كتابًا فأخذه يقرؤه، فوجده مَجْلِسًا من كتاب الزاهر، فقال: هذا منقول من كتاب الفاخر للمفضَّل بن سَلَمة، كما نقل أبو محمد أبو محمد بن قتيبة كتابه في المعارف من كتاب المُحبِّر لابن حبيب. فلما كان المجلس الآخر أخرج كتابه الفاخر فأملى علينا: حدثنا أبو طالب المفضَّل بن سَلَمة بن عاصم قال: هذا كتاب معاني ما يجري على ألْسُن العامة في أمثالهم ومحاوراتهم من كلام العرب وهم لا يَدروُن معنى ما يتكلمون به من ذلك، فبيَّنَّاه من وجوهه على اختلاف العلماء في تفسيره، ليكون مَنْ نظر في هذا الكتاب عالمًا بما يجري من لفظه ويدور في كلامه. وبالله التوفيق.
فأول ذلك:

1 / 1

١_قولهم حيَّاك اللهُ وبيَّاك
فأما حَيّاك الله فإنه مشتق من التحيّة، والتحيّة تنصرف على ثلاثة معانٍ: فالتحية السلام، ومنه قول الكميت:
ألا حُيِّيتِ عَنَّا ياَ مَديِنا ... وَهَلْ بَأْسٌ بِقَولِ مُسلِّمينا
فيكون معنى حيَّاك الله سلَّم الله عليك.
والتحية أيضًا: المُلْكُ، ومنه قول عمرو بن مَعْدي كَرِب:
أَسيِرُ بِهِ إِلى النُّعمانِ حَتَّى ... أُنيِخُ عَلى تَحِيَّتِه بِجُندِي
فيكون المعنى مَلّكَك الله.
والتحيّة: البقاءُ. ومنه قول زهير بن جَنابٍ الكلبيّ:
وَلَكُلُّ مَا نالَ الفَتَى ... قّدْ نِلْتهُ إِلاَّ التَّحِيّهْ
أي إلا البقاء. فيكون المعنى أبقاكَ الله.
وقولهم في التشهُّد: التَّحِيَّات لله يشتمل على الثلاثة المعاني. فأما بيَّاك فإنه فيما زعم الأصمعيّ أضحكَ. ويروى أن آدم ﵇ لما قَتَلَ أحد ابنيه أخاه مكث سنة لا يضحك، ثم قيل له: حيَّاك الله وبيَّاك، أي أضحكك، وقال الأحمر: أراد بَوَّأَك منزلًا، فقال بيَّاك لإزواج الكلام ليكون تابعًا لحيَّاك، كما قالوا:

1 / 2

جاء بالعشايا والغدايا، يريدون الغَدَوات، وقالوا الغدايا للأزواج. وقال ابن الأعرابي: بيَّاك: قَصَدَك بالتحيّة وأنشد:
لَمَّا تَبَيَّيْنَا أَخَا تَمِيمِ ... أَعْطَى عَطَاءَ اللَّحِزِ الَّلئيمِ
وأنشد أيضًا:
باَتَتْ تَبَيَّا حَوْضَهَا عُكُوفَا ... مِثْلَ الصُّفُوفِ لاَقَتِ الصُّفُوفَا
وقال أبو مالك: بيَّاك: قَرَّبَك، وأنشد:
بَيَّا لهم إِذْ نَزَلُوا الطَّعَامَا ... الْكبِدَ وَالْمَلحَاءَ وَالسَّنَاما
أي قَرَّبَ لهم.
٢_قولهم مَرْحَبًا وأَهْلًا
قال الفرَّاء: معناه رحَّب الله بك على الدعاء له، فأخرجه مخرج المصدر فنصبه. ومعنى رحَّب: وَسَّعَ. وقال الأصمعي: أتيتُ رُحبًا أي سعة وأهْلًا كأهلك فاستأنِس. ويقال: الرُّحْبُ والرحْبُ، ومن ذلك الرَّحبَة سُميَّت لِسَعتها. وقال طفيل:
وبالسَّهْب مَيْمُون الخَلِيقَة قَوْلُه ... لِمُلْتَمِسِ المَعْرُوف أَهْلٌ وَمَرْحَبُ
وذكر ابن الكلبي وغيره أن أول من قال مرحبًا وأهلًا سيف بن ذي يَزَنَ الحِمْيَريّ لعبد المطلب بن هاشم لما وفَد إليه مع قريش ليهنئوه برجوع المُلك إليه،

1 / 3

وذلك أن عبد المطلب استأذنه في الكلام. فقال له سيف: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذِنَّا لك. فقال عبد المطلب بعد أن دعا له وقَرَّظَه وهنَّأه: نحن أهل حَرَمِ الله وسَدَنَة بيته، أشخَصنا إليك الذي أبهَجَنا لك، فنحن وفد التهنئة لا وفد المَرْزِئَة. فقال: وأيُّهم أنت؟ قال: أنا عبد المطلب. فقال سيف: مرحبًا وأهلًا ورَحْلًا، ومُناخًا سَهْلًا، ومَلكًا رِبَحْلًا، يُعِطى عطاءً جَزْلًا.
٣_قولهم لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ
قال الفرَّاء: معنى لبيَّك إجابةً لك. قال: ومنه التلبية بالحجّ إنما هو إجابة لأمرك بالحج، وثنّى يريد إجابةً بعد إجابة. ونصبَهُ على المصدر. وقال الأحمر: معناه إلْبابٌ بك أي إقامة ولُزوم لك، وهو مأخوذ من قولك: لّبَّ بالمكان وأَلَبَّ إذا أقام به. قال الراجز:
لَبَّ بأرْضٍ مَا تَخَطَّاها الغَنَم
ومنه قول طُفَيلٍ الغَنَوِي:
رَدَدْنَ حُصَيْنًَا مِنْ عَدِيٍّ وَرَهْطِهِ ... وَتَيْمٌ تُلَبىِّ في العُروُجِ وتَحْلُب
أي تلازمها وتقيم بها. قال: وكان أصله لبيَّيْك فاستثقلوا ثلاث باءات فقلبوا إحداهنّ ياء، كما قالوا: تَظَنَّيْتُ، يريدون تَظَنَّنْتُ، فلما كثرت النونات قلبوا

1 / 4

إحداهنّ باء. وكذلك دينار أصله دِنَّار فاستثقلوا نونين فقلبوا الأولى ياء، فإذا جمعوا قالوا: دنانير فرجعت النون لما فرَّقوا بينهما، ومنه قول العَجَّاج:
تَقَضَّى البازِي إذا البازِي كَسَر
أراد تَقَضُّضَ البازِي قاستثقل الضادات فقلب إحداهنّ ياء. وقال الراجز:
إِنِّي وَإِنْ كَانَ صَغيِرًا سِنِّي ... وَكَاَنَ فِي العَيْن نُبُوٌّ عَنِّي
فَإِنَّ شَيْطَانِي أَمِيرُ الجِنِّ ... يَذْهَبُ بي فِي الشِّعْرِ كُلَّ فَنّ
حَتَّى يُزيلَ عَنِّيَ التَّظَنِّي
يريد التَّظَنُّن.
وقد حكى أبو عبيد عن الخليل أنه قال: أصلها من أَلْبَبْتُ بالمكان، فإذا دعا الرجل صاحبه قال: لَبَّيْك فكأنه قال: أنا مقيم عندك، ثم وكَّد ذلك بلبَّيْك أي إقامة بعد إقامة. وحكى عن الخليلي أيضًا أنه قال: هو مأخوذ من قولهم أُمٌّ لَبَّةٌ أي مُحِبّة عاطِفة. فإن كان كذلك فمعناه: إقبال إليك ومحبة لك. قال: وأنشد الطُّوسِيّ:
وَكُنْتُمْ كَأُمٍّ لَبَّةٍ ظَعَنَ ابْنُهَا ... إِلَيْهَا فَمَا دَرَّتْ إِلَيْهِ بساعِدِ
ويُقال: إنه مأخوذ من قولهم: داري تَلَبُّ دارَك. فيكون معناه اتِّجاهي إليك وإقبالي على أمرك.
وسَعْدَيك: معناه أُسْعِدُك إسعادًا بعد إسعاد. قال الفرَّاء: ولم نسمع لشيء من هذا بواحد، وهو في الكلام بمعنى قولهم: حَنانَيْك أي حنانًا بعد حنانٍ. والحنان: الرحمة وقال طَرَفَة:
أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حَنَانَيْك بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ

1 / 5

وقولهم: فلانٌ يتحنّن على فلان أي يرحمه، وهو في تفسير قول الله جلّ وعلا: " وَحَنَانًا من لَدُنَّا " أي رحمة.
٤_قولهم أَقَرَّ اللهُ عَيْنَه
قال الأصمعي: المعنى أبرَدَ الله دمعته، لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وأقرَّ مشتق من القَرُر، وهو الماء البارد. وقال غيره: معنى أقَرَّ الله عينك أي صادفتَ ما يُرضيك فتقرّ عينك من النظر إلى غيره. ويقال للثائر إذا صادف ثأرَه: وقعتَ بِقرَّك، أي صادف فؤادك ما كان متطلِّعًا إليه فقرَّ. وقال الشَّمَّاخ يصف ظَبْيَةً:
كأنَّها وابْنَ أَيَّامٍ تُرَبِّبُه ... مِنْ قُرَّةِ الْعَيْنِ مُجْتَابَا دَيَابُودِ
أي كأنهما من رضاهما بمرتعهما وترك الاستبدال به مجتابا ثوبٍ فاخرٍ، فهما مسروران به. ودَيابود: ثوبٌ نُسِجَ على نِيرَيْن، وهو فارسيّ معرَّب. وقال أبو عمرو: أقرَّ الله عينَه. والمعنى صادف سرورًا أذهب سَهَرَه فنام. قال عمرو ابن كُلثوم:
بِيَوْمٍ كَرِيهةٍ ضَرْبًا وَطَعْنًا ... أَقَرَّ بِهِ مَوَاليِكَ الْعُيُونَا
أي نامت عيونهم لما ظفِروا بما أرادوا فيه.

1 / 6

٥_قولهم أَسْخَنَ الله عَيْنَه
أي بكت بدموعٍ حارة من الحزن، وهو مشتق من السَّخُون وهو الماء الحار. ويقال: من سُخْنَة العين، وهو كل ما أبكاها وأوجعها. وقال ابن الدُّمَيْنَة:
يَا سُخْنَةَ الْعَيْنِ لِلْجَرْمِىّ إِنْ جَمَعَتْ ... بَيْنِي وَبَيْنَ هَوَى وَحْشِيَّةَ الدَّارِ
٦_قولهم ما بِهِ قَلَبَة
قال الأصمعي: أي ما به داء، وهو من القُلابِ، وهو داءٌ يأخذ الإبل في رؤوسها فيقلبها إلى فوق. وقال الفرّاء: ما به عِلَّة يُخشى عليه منها، وهو من قولهم: قُلَبَ الرجل إذا أصابه وجعٌ في قلبه، وليس يكاد يُفلت منه. وقال ابن الأعرابي: أصل ذلك في الدوابّ، أي ما به داءٌ لا يقلب منه حافرَه، وأنشد:
ولَمْ يُقَلِّبْ أرْضَهَا البَيْطارُ ... وَلاَ لِحَبْلَيْهِ بها حَبارُ
وقال الطائيّ: ما به شيءٌ لا يُقلقه فيتقلّب من أجله على فراشه.
٧_قولهم أَرْغَمَ الله أَنْفَه
قال الأصمعي: الرَّغْم كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه ويُذِلّه. وقال أبو عمرو وابن الأعرابي: أرغْمَ الله أنفَه، أي عفَّره بالرَّغام، وهو تراب يختلط فيه رملٌ دقيق

1 / 7

فمعنى أَرْغَم الله أنفَه أي أهانه، ومنه حديث عائشة في المرأة تتوضأ وعليها خضابها فقالت: اسْلُتيِه وأَرْغِميه، أي أهينيه وارمي به عنك في الرَّغام. وقال لَبِيد:
كأنَّ هِجَانَها مُتَأَبِّضات ... وفي الأقْران أَصْوِرَة الرَّغام
وأما قولهم: فعله على رَغْمِه، فمعناه على غضبه ومساءَته. يقال: أرغمتُه إذا أغضبته. قال المرقّش:
مَا ذَنْبُنَا فِي أَنْ غَزَا مَلِكٌ ... مَنْ آل جَفْنَة حَازِمٌ مُرغَمْ
أي مُغضب والرِّغم: المذلَّة والهوان. قال أبو خِراشٍ الهُذَليّ:
مَخَافَةَ أَنْ أَحْيا بِرَغْمٍ وَذِلَّةٍ ... وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ حَياَةٍ على رَغْم
٨_قولهم لَعَنَهُ الله
قال الأصمعي: معناه باعَدهُ الله. واللّعن: البُعْدُ. وأنشد للشماخ:
ذَعَرْت به القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْه ... مَقَامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللِّعِينِ
أي المباعد، وقال غير الأصمعي: اللَّعنُ: الطَّرد. ومعنى كالرجل اللَّعين كالرجل المطرود. والمعنيان متقاربان.

1 / 8

٩_قولهم أَخْزاهُ الله
أي كسره وأهانه وأذلّه، وأصل الخزي أن يفعل الرجل فعلة يستحي منها وينكسر لها. وقال ذو الرُّمَّة:
خَزَايَةً أَدْرَكَتْه عِنْدَ جَوْلَتِه ... مِنْ جَانِبِ الحَبْل مَخلُوطًا بها الغَضَبُ
ويقال من الاستحياء خَزِيَ يَخْزى خَزايةً. والخِزي: الهلاك والذُلُّ. يقال منه خَزِيَ يَخْزَى خِزْيًا.
_١٠ قولهم ما يُساوِي طُليَةً
الطُّلْيَة: قُطَيعَةُ حبلٍ تُشدُّ في رجل الحَمَل أو الجَدي. وقال بعضهم: هي حبل في طُليَته أي في عنقه. وقال الكسائيّ: يقال للعنق طُلية وجمعها طُلىً.
وقال أبو عمرو والفرّاء: واحدتها طُلاة. وأنشد:
مَتى تُسْقَ من أَنْيَابِهَا بَعْدَ هَجْعَةٍ ... من اللِّيْلِ شِرْبًا حِينَ مالَتْ طُلاَتُها
وقال ابن الأعرابي: فيما أظن يُراد بذلك ما يساوي طَليَةً من هِناءٍ يُطْلى به البعير، بفتح الطاء.

1 / 9

١١_قولهم لا تَلُوسُه
أي لا تناله، وهو من قولهم: ما ذقت لَواسًا. أي ما ذقت ذَواقًا.
١٢_قولهم ما يُؤاسيِه
أي ما يعوّضه من قرابته أو مودّته بشيءٍ. قال: والأوْس العِوَض. وأنشد الأصمعي:
فَلأَحْشَأَنَّك مِشْقَصًَا ... أَوْسًا أُوَيْسُ من الهَبَالَه
أُوَيْس: اسم الذئب، وهو تصغير أوس، والهَبالة: اسم ناقته. يقول: أرميك بسهمٍ يكون عوضًا لك من ناقتي، وكان يجب أن يقال: يُؤاوِسهُ، ولكن قُلبت الواو فجُعلت لامَ كما قال القطاميّ:
ما اعْتادَ حُبّ سُلَيْمَى حِينَ مُعْتَادِ ... ولا تَقَضَّى بَوَاقِي دَيْنَها الطَّادِي
أراد الواطد أي الثابت، فقلب الواو فجعلها لام الفعل. ومثله كثير من المقلوب. وقال الفضل: يؤاسيِه بالهمز، أي يشاركه وهي المؤاساة. يقال: آساه بنفسه، أي شاركه فيما هو فيه وحكى الأثرم: آسيتُ فلانا وواسَيْت بمعنى وأنشد لليلى:
فإن يَكُ عبدُ الله آسَى ابن أُمِّهِ ... وآبَ بأَسْلابِ الكَمِيِّ المُغاوِرِ
وقال مؤرّج: يُؤاسِيه. من قولهم أسهِ بخير، أي أَصِبْه به. وأنشد لعبد العزيز ابن زُراة الكِلابي:

1 / 10