180

Fajr al-Islām

فجر الإسلام

Genres

ومثل هذا ما ترى في كتب الأخلاق والتصوف من أحاديث في الترغيب والترهيب لا يحصى لها عد، ومن هذا الباب أدخل القصاص في الحديث كثيرا. (5)

يخيل إلي أنه من أهم أسباب الوضع مغالاة الناس إذ ذاك في أنهم لا يقبلون من العلم إلا على ما اتصل بالكتاب والسنة اتصالا وثيقا، وما عدا ذلك فليس له قيمة كبيرة، فأحكام الحلال والحرام إذا كانت مؤسسة على مجرد «الاجتهاد» لم يكن لها قيمة ما أسس على الحديث ولا ما يقرب منه، بل كثير من العلماء في ذلك العصر كان يرفضها ولا يمنحها أية قيمة، بل بعضهم كان يشنع على من ينحو هذا النحو؛ والحكمة والموعظة الحسنة إذا كانت من أصل هندي أو يوناني أو فارسي، أو من شروح من التوراة أو الإنجيل لم يؤبه لها، فحمل ذلك كثيرا من الناس أن يصبغوا هذه الأشياء كلها صبغة دينية حتى يقبلوا عليها، فوجدوا الحديث هو الباب الوحيد المفتوح على مصراعيه، فدخلوا منه على الناس، ولم يتقوا الله فيما صنعوا، فكان من ذلك أن ترى في الحديث الحكم الفقهي المصنوع، والحكمة الهندية، والفلسفة الزردشتية، والموعظة الإسرائيلية أو النصرانية.

روعت هذه الفوضى في الحديث عن رسول الله جماعة من العلماء الصادقين، فنهضوا لتنقية الحديث مما ألم به، وتمييز جيده من رديئه، وسلكوا في ذلك جملة مسالك.

منها أنهم طالبوا بإسناد الحديث، أعني أن يعينوا رواة الحديث؛ فيقول المحدث: حدثني فلان عن فلان عن رسول الله أنه قال كذا، ليتمكنوا بذلك من معرفة قيمة المحدث صدقا وكذبا، ولينظروا هل المحدث ينتسب إلى بدعة وضع الحديث ترويجا لها ونحو ذلك، جاء في مقدمة صحيح مسلم «عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقفت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».

ثم أخذوا يشرحون الرجال، فيجرحون بعضا ويعدلون بعضا، «وألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار».

وأكثر هؤلاء النقاد عدلوا الصحابة كلهم إجمالا وتفصيلا، فلم يعرضوا لأحد منهم بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كذبا، وقليل منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم، قال العزالي: «والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن عدالتهم «أي الصحابة» معلومة بتعديل الله عز وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه بذلك، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل ... وقد زعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثم تغيرت الحال وسفكت الدماء فلا بد من البحث ... ثم فسر الصحابي المعني بهذا بمن كثرت صحبته للنبي

صلى الله عليه وسلم »

16 .

ويظهر أن الصحابة أنفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم بعضا موضع النقد، وينزلون بعضا منزلة أسمى من بعض، فقد رأيت قبل أن منهم من كان إذا روي له حديث طلب من المحدث برهانا؛ بل روي ما هو أكثر من ذلك، فقد روي أن أبا هريرة روى حديثا: «من حمل جنازة فليتوضأ» فلم يأخذ ابن عباس بخبره، وقال: لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة! وكذلك روى أنه حدث بحديث جاء في الصحيحين وهو: «متى استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» فلم تأخذ به عائشة وقالت: كيف تصنع بالمهراس

17 ، وكالذي روي أن فاطمة بنت قيس روت أن زوجها طلق فبت الطلاق، فلا يجعل رسول الله لها نفقة وسكنى، وقال لها: اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى، فردها أمير المؤمنين عمر قائلا لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أو كذبت، حفظت أم نسيت، وقالت عائشة: ألا تتقين الله ... إلخ

Unknown page