Faḍāʾil al-Thaqalayn min kitāb Tawḍīḥ al-Dalāʾil ʿalā Tarjīḥ al-Faḍāʾil
فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل
Genres
والأعضاء المتفرقة، كيف وجدتم الدار التي حللتم بها؟
أي بني، فكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم، فاصلح أخراك، وأتبع آخرتك بدنياك، ودع من القول ما لا تعرف، ومن الكلام ما لا يكلف، وأمسك عن طريق خفت ضلاله، فإن الكف عن حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، وخض الغمرات إلى ما فيه الحق، وتفقه في الدين، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وعود نفسك الصبر على المكروه، فلنعم الخلق الصبر، والجأ في الأمور كلها إلى إلهك، فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص المسألة إلى ربك، فإن في يده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة.
وأعلم أن الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب، فإذا اهتديت لقصدك فكن أخضع ما تكون لربك، فأعلم إن الذي بيده خزائن السماوات والأرض أذن بدعائك، وتكفل بإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وهو رحيم لم يجعل بينك وبينه من يحجبك، ولم يمنعك من التوبة إذا أسأت، فمتى ما شئت سمع دعاءك ونجواك، فأفض إليه نجواك، فهو معدن الحوائج، وبثه ذات نفسك، وليكن مسألتك فيما يعينك، لا فيما يلزمك خباله ويبقى عليك وباله، فإنك توشك أن ترى عاقبة أمرك حسنة كانت أو قبيحة.
وفي رواية: فمتى ما شئت سمع نداءك ونجواك، فأفضيت إليه بحاجتك وابثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستعنته على أمورك، وناجيته بما تستخفي به من الخلق كلهم من سرك، ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبوابه، فألحح في المسألة يفتح لك باب الرحمة، ولا يقنطك إن أبطأت عليك الإجابة، فإن العطية على قدر المسألة، ربما أخرت عنك الإجابة لتكون أطول للمسألة، وأجزل للعطية، وربما سألت الشيء فلم تؤته، وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا، وصرف عنك لما هو خير لك، فلرب أمر قد طلبته وفيه هلاك دينك أو دينك لو أوتيته.
أي بني فبما يعينك مما ترجو أن يبقى لك، ولا تبقى له، فإنه توشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا، أو يعفو الكريم.
وأعلم يا بني، إنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وإنك في منزل قلعة، ودار بلغة، وطريق إلى الآخرة، وإنك طريدة الموت الذي لا ينجو هاربه،
Page 399