Al-Durr al-thamīn waʾl-mawrid al-muʿīn
الدر الثمين والمورد المعين
Editor
عبد الله المنشاوي
Publisher
دار الحديث القاهرة
قدر استقامة كل أحد
بما جاء به الرسول الذي أرسل إليه وعلى طبعه البشري في الدنيا من الاحتياج إلى المأكول والمشروب وأن الله تعالى جعل في هذه الدار ما يرون من الأسباب والحرف وسائل إلى الطعام والشراب على ما ألفوه وجعل في الدار الآخرة قبل دخول الجنة محافظة عهود الرسل أسباب مطعومهم ومشروبهم وليس هناك سبب سوى ما قدموا فتجد أكثر الناس مما يظن بهه المعرفة لا يظن أن الناس يأكلون بعد البعث ولا يحتاجونه في معتقده وإنما ذلك البعث والحساب قدر ركعتين ودخول الجنة وأن الشفاعة تنالهم لا محالة فهذا هو الغرور ويكون ذلك من مختصر كلام في صفح ورقة لأن خير الكلام ما قل ودل فقد ورد أن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرضين بمقدار خمسين ألف سنة وسيعمر بالخلائق أجمعين عرصات القيامة مقدار خمسين ألف سنة كما صرح به القرآن ويقال عمارة العالم دور الفلك الأعظم خمسين ألف سنة وهذا الأخير لم أره والله أعلم بصحته أو فساده فإذا تقرر هذا فيلزم العالم أن يبلغ عن نبيه أعظم مهماته الذي أرسل به وموضع ذلك كل من قيد شيئًا أو ألفه أن يدمج هذا الأمر في سمائه أو يجعل له فصلا مستقلًا أو خاتمة وهو مناسب للخاتم ثم يكون هذا المقيد أو المؤلف هو أول قائم بهذا العلم وحمل نفسه على مقتضى ما علمه من الأوامر والنواهي ليكون ذلك داعية إلى الانتفاع به ظاهرًا أو باطنًا وما أفسد أحوال الشريعة إلا تساهل العلماء بأديانهم وطباع العامة على مراقبة الأفعال فلو رأوا من العلماء الخوف لخافوا وزاد الأمر بإظهار المناكر وسكت العلماء وزاد الصلحاء بجمع الدنيا وصدق القائل في قوله
وهل أفسد الدين إلا الملوك
وأحبار سوء ورهبانها
وزاد كل واحد ممن ذكر بالطمأنينة على ما عليه يخشى النكير عليه في الدنيا واستهون أمر آخرته وسبى العقول هم المأكول والمشروب فلوا أنصفوا استدلوا بالشاهد على الغائب وأخذوا الحزم للآتي كما أخذوه في هذه لأن الأبدان واحدة والبشرية طبيعتها في الاحتياج لا ينتفي بالموت بل يزداد شدة الاحتياج للطعام والشراب في عرصات القيامة حتى يأكل أهل الجنة من زيادة الكبد ويشربوا من الحوض فحينئذ يأكلون ويشربون تلذذًا وتنعمًا بل وردت النصوص هي أن الله تكفل بالرزق في الدنيا ولم يرد في شيء تكفله في تلك العرصات وقد خطب الحجاج في ذلك فقال الحسن كلمة حكمة صدرت من فاسق وليس معهم ما بلغته الرسل من التوسع في الجنة فإن كل من دخلها يرى نفسه ملكًا من الملوك مما أفاض الله عليه من النعيم المقيم بل المهم الأعظم أمد العمار بالعرصات الكبار ولذلك لا تجد سورة من سور القرآن وإن كانت أخصر السور كالكوثر والعصر إلا والحق تعالى أنذر العباد بالموت أو حالة مآل الموت من أحوال القيامة إما تصريحًا أو ما يدل لذلك ثم الخوف من هذه العاقبة أهم المهمات أيضًا وإن
1 / 602