المنكسرِ، وهذا مقصودُ العبودية فإن من أركانِ العبودية تمامُ الذلِّ للهِ ﷿. وقد سئِل شيخ الإسلامِ ابنُ تيمية عن قوله ﷺ: «عجبًا للمؤمنِ لا يقضي اللهُ له شيئًا إلا كان خيرًا له» هل يشمل هذا قضاء المعصيةِ على العبدِ؟، قال نعم؛ بشرطِها من الندمِ والتوبةِ والاستغفارِ والانكسارِ.
فظاهرُ الأمرِ في تقديرِ المعصيةِ مكروهٌ على العبدِ، وباطنُه محبوبٌ إذا اقترن بشرطِه.
- وخيرة اللهِ وللرسولِ محمدٍ ﷺ ظاهرةٌ باهرةٌ، فإن كلَّ مكروهٍ وقعَ له صارَ محبوبًا مرغوبًا، فإن تكذيب قومِه له؛ ومحاربتِهم إياه كان سببًا في إقامةِ سوق الجهادِ، ومناصرةِ اللهِ والتضحيةِ في سبيلِه، فكانت تلك الغزواتُ التي نصر اللهُ فيها رسوله، فتحًا عليه، واتخذ فيها من المؤمنين شهداء جعلهم من ورثةِ جنة النعيم، ولولا تلك المجابهة من الكفار لم يحصلْ هذا الخيرُ الكبير والفوزُ العظيمُ، ولما طُرِد ﷺ من مكة كان ظاهرُ الأمرِ مكروهًا ولكن في باطنِه الخيرُ والفلاحُ والمنّةُ، فإنه بهذه الهجرةِ أقام ﷺ دولة الإسلامِ، ووجد أنصارًا، وتميز أهلُ الإيمان من أهلِ الكفرِ، وعُرِفَ الصادق في إيمانِه وهجرته وجهادِه من الكاذبِ. ولما غُلب ﵊ وأصحابُه في أحدٍ كان الأمرُ مكروهًا في ظاهرِه، شديدًا على النفوسِ، لكن ظهر له من الخيرِ وحسنِ الاختيارِ ما يفوقُ الوصف، فقد ذهب من بعضِ النفوسِ العجبُ بانتصارِ يوم بدرٍ، والثقةُ بالنفسِ، والاعتمادُ عليها، واتخذ اللهُ من المسلمين شهداء أكرمهم بالقتلِ كحمزة سيدِ الشهداء، ومصعبِ سفيرِ الإسلام، وعبدِالله ابن عمروٍ والدِ جابر الذي كلمه اللهُ وغيرهم، وامتاز المنافقون بغزوةِ أحد، وفضح أمرهم، وكشفُ اللهُ أسرارهم وهتك أستارَهُمْ. . وقسْ على ذلك أحواله ﷺ، ومقاماته التي ظاهرُها المكروهُ، وباطنُها الخيرُ لهُ وللمسلمين.
1 / 573