فشبه اصطفاف الشرب جلوسًا بالسطر والسقاة بينهم بالألفات فأحسن. ومن البارع الداخل في هذا الباب قول عنترة:
(وإذا سكرتُ فإنني مستهلكٌ ... مالي وعرضي وافرٌ لم يكلمِ)
(إذا صحوتُ فما أقصِّر عن ندىً ... وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي)
أخذه البحتري فزاد عليه في قوله:
(ومازلت خلًا للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدورًا يستحثونَ أنجما)
(تكرمت من قبلِ الكؤس عليهم ... فما اسطعنَ أن يحدثن فيك تكرُّما)
والزيادة أن عنترة ذكر أنه يستهلك ماله إذا سكر، والبحتري ذكر أنه تكرم قبل الكؤوس فيبالغ حتى لا تستطيع الكؤوس أن تزيده تكرمًا. ومن أطرف ما قيل في حسن الندامى قول بعضهم:
(لقد علمَ الريحانُ والرَّاحُ أنني ... على الكأس والندمانِ غير جهولِ)
(فإن ساءني منهمْ مقامٌ غفرتهُ ... ولستُ إلى ما ساءَهم بعجولِ)