Dīwān ṭarafa b. al-ʿabd
ديوان طرفة بن العبد
Editor
مهدي محمد ناصر الدين
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الثالثة
Publication Year
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
Regions
•Saudi Arabia
Empires & Eras
Arabian Peninsula, 1st c.- / 7th c.-
طَرَفَة بن العبد
هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. -وطرفة- بالتحريك في الأصل واحدة الطرفاء وهو الإثل (١) وبها لُقب طرفة واسمه عمرو (٢).
وُلد في البحرين في بيت عريق الأصل والمحتد، فقد والده في سن مبكرة فنشأ يتيم الوالد ينفق بغير حساب فضيّق عليه أعمامه ورفضوا أن يعطوه حقه، وجاروا على أمّه، فظلموها حقها ويشير طرفة إلى ذلك في أبيات يقول فيها:
ما تنظرون بحق وردة (٣) فيكم ... صَغُرَ البنونُ ورهط وردة غُيَّبُ
قد يبعث الأمر العظيم صغيرُهُ ... حتى تظل له الدماء تصبّبُ
والظلم فرَّق بين حبَّي وائلٍ ... بكرٌ تساقيها المنايا تغلب
(١) الإثل: المال القديم الموروث.
(٢) الشنقيطي: شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها.
(٣) وردة: وردة بنت قتادة بن عمرو بن مالك بن قيس بن ثعلبة عن المؤتلف والمختلف للآمدي.
1 / 3
ومما يُلاحظ من سيرة الشاعر أن ظلم أعمامه له قد ترك عنده ردّة فعل سلبية فبدل أن يذعن للأمر الواقع، تمرد على حدود القبيلة واجترأ على الأقارب واندفع نحو الملذات ينفق على أصحابه وخلّانه مما زاد من حقد عشيرته عليه معزولًا يعيش بمفرده وهو في ذلك يقول:
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردتُ إفراد البعير المعبد (١)
ولكن كيف يُكتب لحياة كحياة طرفة أن تدوم ومن أين يأتي بالمال وليس عنده مورد يدر عليه. أضف إلى ذلك أن صحبة السوء التي كانت بجانبه تخلت عنه حين أصبح صفر اليدين:
أسلمني قومي ولم يغضبوا ... لسَوْءة حلت بهم، فادحهْ (٢)
كلُّ خليلٍ كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحهْ (٣)
كلهم اروغ من ثعلبٍ ... ما أشبه الليلة بالبارحهْ
عاد طرفة إلى أهله لا يلوي على شيء ولا يملك شروى نقير، فحمله أخوه معبد بن العبد على رعاية إبله فأهملها. فأنبه أخوه وقال له: «تُرى إن أخذت تردها بشعرك هذا؟». فقال طرفة: «لا أخرج حتى تعلم أن شعري يردّها». فلجأ طرفة إلى ابن عمه مالك ليعينه على استرجاعها من آخذيها، وكانوا قومًا من مُضر. فانتهره مالك بعنف فتألم الشاعر ونظم معلقته واصفًا حالته وجور أهله عليه وذكر فيها سيدين من أقربائه فمدحهما بكثرة المال والولد وقال:
(١) البعير المعبد: البعير الأجرب.
(٢) السوءة: العشرة السيئة. الفادحة: المصيبة.
(٣) الواضحة: السن التي تظهر عند الضحك.
1 / 4
فلو شاء ربي كنت قيس بن خالدٍ ... ولو شاء ربّي كنت عمرو بن مرشدِ
فأصبحت ذا مالٍ كثيرٍ وزارني ... بنون كرامٌ، سادةٌ لمسوّدِ
فدعاه أحدهما عمرو وكان له سبعة أولادٍ فأمرهم فدفع كل واحدٍ إلى طرفة عشرة من الإبل ثم أمر ثلاثة من أبناء بنيه فدفعوا له مثل ذلك. فردّ إبل أخيه وقد ردّها بشعره كما قال، وأقام ينفق من الباقي حتى نفد (١).
نشأ شاعرنا حاد الذكاء فخورًا تياهًا بشعره، لم يراع حرمة لقريب أو كبير فقد سمع خاله المتلمس (٢) مرة يقول:
وقد أتناسى الهم عند احتقاره ... بناجٍ، عليه الصيعرية، مكدم (٣)
فقال طرفة: «إستنوق الجمل» لأن الصيعرية سمة للنوق فضحك القوم وغضب خاله ثم قال: ويل لهذا الفتى من لسانه.
وقد صحت مقولة المتلمس فيه فقد جنى عليه لسانه وأودى به إلى القتل. وقد تضاربت الروايات حول قصة مقتله إلا أن أكثرهم يؤكد حقيقة دامغة وهي أن أخته كانت عند عبد عمرو بن بشر وكان من سادات قومه فجار على أخت الشاعر وظلمها فشكته إليه فهجاه طرفة بقصيدة يقول فيها:
(١) بطرس البستاني: أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام.
(٢) المتلمس: جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن دوفن بن حرب بن وهب عن كتاب الأغاني للاصفهاني.
(٣) الناجي: البعير الخفيف الذي ينجو بصاحبه. الصيعرية: سمة توسم بها النوق في بلاد اليمن دون الجمال. ورد هذا البيت في أكثر الروايات للمتلمس إلا أن الشنقيطي رواهُ للمسيب بن علس.
1 / 5
ولا خير فيه غير أن له غنىً ... وإن له كشحًا إذا قامَ أهضما (١)
وكان من أفحش الهجاء عند العرب أن تصف رجلًا بوصف النساء فكيف بصهره صاحب الخصر النحيل الذي يشبه خصور النساء؟
فاتنا ذكر أن عمرو بن هند ملك الحيرة كان متذوقًا للشعر، يتوافد عليه الشعراء من كل جانب فوقد عليه طرفة مع خاله المتلمس فأنشده وأعجب بشعره وعاش في بلاطه نديمًا لو ولولي عهده قابوس. وجاءت الصدف عكس ما يشتهي طرفة. فبينما كان يشرب يومًا بين يدي عمرو بن هند أطلت أخته فشبب بها طرفة حيث قال:
ألا يا ثاني الظبي الـ ... ـذي يبرق شنفاهُ (٢)
ولولا الملك القاعد ... قد الثمني فاهُ
فنظر إليه عمرو بن هند نظرة غضب ويقال أنه وضعه في الأإقامة الجبرية وجعل عليه أخاه قابوس رقيبًا.
اتفق بعدها أن عمرو بن هند خرج يومًا للصيد فأمعن في الطلب، فانقطع في نفرٍ من أصحابه حتى أصاب طريدته فنزل وقال لأصحابه اجمعوا حطبًا، وفيهم عبد عمرو بن بشر صهر طرفة. فقال لهم عمرو: أوقدوا فأوقدوا وشووا. فبينما عمرو يأكل من شوائه وعبد عمرو بن بشر يقدم إليه إذ نظر إلى خصر قميصه منخرقًا فأبصر كشحه، وكان من أحسن أهل زمانه جسمًا فقال له عمرو بن هنج: يا عبد عمرو لقد أبصر طرفة كشحك حيث يقول:
ولا خير فيه غير أن له غنىً ... وإن له كشحًا إذا قامَ أهضما
(١) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضبع. الأهضم: الرقيق.
(٢) الشنفان: مفردها الشنف وهو أعلى موضع القرط في الأذن.
1 / 6
فغضب عبد عمرو وقال: لقد قال في الملك أقبح من هذا، فقال عمرو بن هند: وما الذي قال؟ فندم عبد عمرو على الذي سبق منه وأبى أن يسمعه ما قال. فقال اسمعنيه وطرفة أمين. فأسمعه القصيدة التي يقول فيها طرفة:
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثًا، حول قبتنا تخورُ (١)
لعمرك إن قابوس بن هندٍ ... ليخلط ملكه نوك كثيرُ (٢)
فسكت عمرو على ما وقر (٣) في نفسه وكره أن يُعجل على طرفة لمكان قومه، فلما طالت المدة ظن طرفة أنه قد رضي عنه وكان المتلمس قد هجا عمرو بن هند أيضًا. فقدما إليه فجعل يريهما المحبة ليأنسا به، فلما طال مقامهما عنده قال لهما: لعلكما اشتقتما إلى أهلكما. قالا: نعم. فكتب لهما إلى عامله بالبحرين وهجر واسمه ربيعة بن الحارث العبدي. ولقبه المعكبر فلما هبطا النجف وقيل أرضًا قريبة من الحيرة، إذ هما بشيخ معه كسرة يأكلها وهو يتبرز ويقتل القمل. فقال له المتلمس: بالله ما رأيت شيخًا أحمق منك ولا أقل عقلًا. فقال له الشيخ: وما الذي أنكرت علي؟ فقال: تتبرز وتأكل وتقتل القمل! قال: إني أُخرج خبيثًا وأدخل طيبًا وأقتل عدوًا. ولكن أحمق مني من يجعل حتفه بيمينه وهو لا يدري، فتنبه المتلمس فإذا هو بغلام من أهل الحيرة فقال له: يا غلام أتقرأ؟ قال: نعم. ففتح كتابه ودفعه إليه فلما نظر إليه قال: ثكلت المتلمس أمه. وإذا في الكتاب: إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًا. فرمى المتلمس صحيفته في نهر يقال له كافر ثم تبع طرفة ليدركه وقال له: تعلم أن ما كتب فيك إلا بمثل ما كتب فيّ. فقال طرفة: إن كان قد اجترأ عليك فما كان ليجترئ علي. فهرب المتلمس إلى الشام وانطلق طرفة إلى العامل المذكور،
(١) الرغوث: الناقة المرضعة.
(٢) النوك: الحماقة.
(٣) وقر: سمع.
1 / 7
حتى قدم عليه بالبحرين وهو بهجر (١)، فدفع إليه كتاب عمرو بن هند فقرأه فقال: تعلم ما فيه؟ قال: نعم أُمرتَ أن تجيزني وتُحسن إلي. فقال له العامل: إن بيني وبينك خؤولة أنا لها راع. فاهرب من ليلتك هذه فإني قد أمرت بقتلك فاخرج قبل أن تصبح ويعلم بك الناس. فقال له طرفة: اشتدت عليك جائزتي وأحببت أن أهرب وأجعل لعمرو بن هند عليّ سبيلًا، كأني أذنبت ذنبًا والله لا أفعل ذلك أبدًا. فلما أصبح أمر بحبسه وجاءت بكر بن وائل فقالت: قد طرفة فدعا به صاحب البحرين فقرأ عليهم كتاب الملك. قم أمر بطرفة فحبس وتكرم عن قتله، وكتب إلى عمرو بن هند أن ابعث إلى عاملك فإني غير قاتل الرجل، فبعث إليه عمرو بن هند رجلًا من بني تغلب يقال له عبد هند واستعمله على البحرين وكان رجلًا شجاعًا وأمره بقتل طرفة وقتل ربيعة بن الحارث العبدي. فقدمهما عبد هند، فقرأ عهده على أهل البحرين ولبث أيامًا، واجتمعت بكر بن وائل فهمت به كوان طرفة يحضهم وانتدب له رجل من عبد القيس ثم من الحوائر يقال له أبو رشية. فقتله، فقبره معروف بهجر (٢).
فقضى كرفة ولما يكمل العقد الثالث من عمره وقد رثته أخته الخرنق بأبيات تقول فيها:
عددنا له ستًا وعشرين حجةً ... فلما توفاها استوى سيدًا ضخما
نشير أخيرًا إلى منزلة طرفة الأدبية:
قال ابن قتيبة: هو أجود الشعراء قصيدة وله بعد المعلقة شعر حسن. وقال ابن سلام الجمحي في طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين أنه في الطبقة
(١) هجر: ناحية بالبحرين.
(٢) الشنقيطي: شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها.
1 / 8
الرابعة من رهط فحول الشعراء وموضعه مع الأوائل. فأما طرفة فأشعر الناس واحد وهي قوله:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... وقفت بها أبكي وأبكي إلى الغد
ويليها:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستقر
ومن بعد له قصائد حسان جياد.
وقال ابن رشيق: طرفة أفضل الناس واحدة عند العلماء وهي المعلقة. وسئل لبيد من أشعر العرب؟ فقال: الملك الضلي –يعني امرأ القيس- فسأله ثم من؟ فقال: الغلام القتيل. يعني طرفة. ثم من؟ فقال الشيخ أبو عقيل يعني نفسه.
ويكفي طرفة بن العبد من الفضل ما ذكره أئمة المؤرخين والعلماء بحقه. وهو الفتى اليافع الذي أتحق خزانة الأدب بهذا التراث العظيم.
مهدي محمد ناصر الدين.
ماجستير في اللغة العربية وآدابها.
1 / 9
قافية الباء
كل من عليها فان [الطويل]
فَكيفَ يُرجّي المرءُ دَهرًا مُخلَّدًا ... وأعمالُهُ عَمّا قَلِيلٍ، تُحاسِبُهْ
ألم تَرَ لُقمانَ بنَ عادٍ تَتابَعتْ ... عليه النّسورُ، ثمّ غابتْ كواكبه؟ (١)
وللصّعبِ أسبابٌ تَجُلُّ خُطوبُها ... أقامَ زمانًا، ثمّ بانَتْ مَطالِبُه (٢)
إذا الصّعْبُ ذو القَرنَينِ أرخى لواءَهُ ... إلى مالكٍ ساماهُ، قامَتْ نَوادُبه (٣)
يَسيرُ بوجهِ الحَتْفِ والعَيشُ جَمعُهُ ... وتَمضي على وَجْهِ البِلادِ كَتائِبُه (٤)
(١) لقمان بن عاد: شخص زعمت العرب أنه عمَّر حياة سبعة أنسر ثم مات والمعنى: أن ما من إنسان يعيش على هذه الأرض إلى الأبد.
(٢) الخطوب: واحدها الخطب وهو الأمر العظيم. بانت: ابتعدت.
(٣) ذو القرنين: الإسكندر الأكبر. اللواء: الجند. مالك: ابن عم الشاعر. طلب منه طرفة أن يرد عليه إبلًا أخذها أناس من بني مُضَر فلامه مالك في ذلك وقال له: «فرطت فيها، ثم أقبلت تتعب في طلبها». ساماه: وازاه في السمو وارتفع فوقه.
(٤) الحتف: الموت. الكتائب: مفردها الكتيبة وهي الفرقة من الجيش.
1 / 11
أدوا الحقوق [الوافر]
ما تَنظُرونَ بِحَقّ وَردَةَ فيكُمُ ... صَغُرَ البَنونَ، ورَهطُ وردة َ غُيّبُ (١)
قد يَبعَثُ الأمرَ العَظِيمَ صغيرُهُ ... حتى تَظَلّ له الدّماءُ تَصَبَّبُ (٢)
والظُّلْمُ فَرّقَ بينَ حَبّيْ وَائِلٍ ... بَكْرٌ تُساقيها المَنايا تَغْلِبُ (٣)
قد يُورِدُ الظُّلْمُ المُبَيَّنُ آجنًا ... مِلْحًا، يُخالَطُ بالذعافِ، ويُقشَبُ (٤)
وقِرافُ منْ لا يستفيقُ، دَعارةً ... يُعدي كما يُعدي الصّحيحَ الأجْربُ (٥)
والإثُم داءٌ، ليسَ يُرجى بُرؤُهُ ... والبِرُّ بُرءٌ، ليسَ فيه مَعْطَبُ (٦)
والصّدقُ يألَفُهُ الكريمُ، المرتجى ... والكِذبُ يألَفُهُ الدَّنئُ، الأَخيَبُ
ولَقد بدا لي أَنَّه سيَغُولُني ... ما غالَ"عادًا والقُرونَ، فاشعَبوا (٧)
أدُّوا الحُقوقَ تَفِرْ لكُم أعراضُكم ... إِنّ الكريم إذا يُحَرَّبُ يَغضَبُ (٨)
(١) وردة: والدة الشاعر الذي ظلمها أخواله على حفها بعد وفاة زوجها وأبوا أن يعطوها قسمتها. الرهط: القوم.
(٢) تصبب: تتصبب أو تسيل.
(٣) في البيت إشارة إلى حرب البسوس التي قامت بين قبيلتي بكر وتغلب.
(٤) الآجن: المتغير اللون والطعم. الذعاف: السم القاتل. يقشب: يدمج ويخلط.
(٥) الدعارة: الفسق والفجور. الأجرب: المصاب بداء الجرب.
(٦) البرء: الشقاء. المعطب: السوء والضرر.
(٧) يغول: يهلك. عاد: قبيلة عَصت أمر نبيّها هود فكانت من الهالكين. أشعبوا: بادوا وهلكوا.
(٨) تفر: تكتمل وتتم. يُحرَّب: يُسلب ماله وثروته.
1 / 12
قافية التاء
الخيل المغيرة [الكامل]
ولَقد شَهِدتُ الخيلَ وَهْيَ مُغيرة ٌ ... ولَقد طَعَنْتُ مَجامِعَ الرَّبِلاتِ (١)
رَبِلاتِ جُودٍ، تحتَ قَدٍّ بارعٍ ... حُلوِ الشّمائلِ، خِيرة ِ الهَلَكاتِ (٢)
رَبِلاتِ خَيلٍ، ما تَزالُ مُغيرةً ... يُقطِرنَ من عَلَقٍ على الثُّنَّاتِ (٣)
(١) المغيرة: المهاجمة. الربلات: مفردها الربلة وهي أصل الفخذ أو اللحمة العظيمة.
(٢) الشمائل: مفردها الشميلة وهي الصفة والمزيّة. الهلكات: مفردها الهلكة وهي الجيفة.
(٣) العلق: الدم. الثنّات: مفردها الثنّة وهي شعرات تكون في آخر رجل الفرس.
1 / 13