-٢٤ -
مشايخي خارج المدرسة
وقفت بكم طويلًا على ذكريات أساتذتي في المدرسة، وما تكلمت إلاّ عن بعضهم ولا سردت إلا بعض أخبار من تكلمت عنهم، ولو أفضت لأطلت وأمللتُ، فأذنوا لي اليوم أن أقف معكم على بعض مشايخي خارج المدرسة.
تنتظرون أن أبدأ بأبي ﵀. وإنّ فضله عليّ لكبير، ولكني وعدت في مطلع هذه الفصول أن أقول الحقّ، لا أضيع شيئًا مما هو لي تواضعًا ولا آخذ شيئًا ليس لي تزيّدًا، والحقّ أنّ مَن قرأ على أبي أو لازمه يؤكّد أنه كان معلمًا عبقريًا، يُفهِم الغبيّ من التلاميذ حتى يظن نفسه أذكى من الأذكياء، ويبسّط المعقّد من المسائل حتى تُحسَب من الهيّنات الواضحات، وذلك بالأمثال المحسوسة والأدلّة الظاهرة.
والمعلم الذي فهم المسألة وهضمها حتى صارت مِلْكًا له يستطيع أن يُفهمها من شاء، يقلب العبارات ويبدّل الأساليب حتى يصل إلى العبارة المبيّنة والأسلوب المناسب. فإن وجدتَ معلمًا يشرح الدرس فلا يُفهم عنه ويعيد الشرح فلا يصل إلى الإفهام