Dhayl al-basāma al-basāma
ذيل البسامة البسامة
ذيل البسامة البسامة تأليف السيد العلامة داود بن الهادي بن أحمد المؤيدي [990-1035]
هذا الملحق في البسامة لمولانا السيد المقام الأعظم، والطود الأشم، العلامة العلم الاعلم، صارم الدين، واسطة عقد الفاطميين: داود بن الهادي بن أحمد المؤيدي -لله دره-.
أوله بعد قوله :
وليس يعلم ما يأتي الزمان به
سوى عليم قديم الذات مقتدر
لله درك من علامة علم
أزرى نظامك بالياقوت والدرر
ذكرت فيه ملوك الأرض قاطبة
من بعد وعظ له التأثير في الحجر
ثم اختتمتهم بالمصطفى ولنا
فيه اعتبار وتذكار لمعتبر
والصحب والآل طرا مع مناصبهم
أهل الشقاوة والعدوان والأشر
وقد أحطت بصيدالآل عن كمل
إحاطة الكم بالأسنى من الثمر
وإنني ذاكر من قد علمت به
من الأئمة إيقاضا لمدكر
وليس قصدي في فعلي مناظرة
هيهات ليس يقاس الدر بالمدر
لكنني أرتجي الغفران جائزة
من خالقي ودعاء من أولي النظر
دعا الإمام الذي شاعت فضائله
بين الخلائق من بدو ومن حضر
خليفة من بني الزهراء فاطمة
بحر العلوم سديد الرأي والنظر
نعته في أرض صنعاء ملائكة
حين الوفاة بمدح فيه مشتهر
كفى بذلك فخرا في الأنام له
بمثله ما روى الراوون في السير
وهو الذي شرع الداعي بحي هلا
إلى الطعام مع الآصال والبكر
Page 159
[الإمام عز الدين بن الحسن]
Page 160
هو: مولانا الإمام الهادي إلى الحق، أمير المؤمنين: عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد بن جبريل -صلوات الله عليهم- كل بكرة وأصيل، نشأ منشأ آبائه الجحاجحة الكرام، وقفا منهاج أسلافه الأئمة الأعلام، ولم يزل -عليه السلام- مولعا بطلب العلم حتى فاز منه بالأبكار والعون، واطلع على سره المكنون، فأتى بما يشرح الصدور ويقر العيون، ابتدأ طلب العلم في وطنه الميمون، ثم قصد صعدة، فقرأ فيها على مشايخ عدة، وأحسنهم ذكاء وحدة، وأكثرهم في العلوم عدة :القاضي العلامة النحرير، بحر العلم الغزير، جمال الملة والدين، عين عيون الشيعة الأمجدين: علي بن موسى الدواري، أخذ عنه أكثر الفنون، وصنف فيها وما[قد] تم له من السنين عشرون، وله من المصنفات العجيبة الرائقة، والتأليفات الغريبة الفائقة، (شرح المعراج على المنهاج) في أصول الدين، وهو جزءان ضخمان، أكب على قراءته وتحصيله أعيان الزمان، وقصده لسماعه عدة من أهل العلم من نواحي جهران، وذمار، وخبان، واتصل بالصفرا وينبع، وتلك البلدان، وله (شرح على البحر الزخار في فقه الأئمةالأطهار)، سلك فيه أسلوبا عجيبا، وطريقا غريبا لو مد الله له في العمر لجاء هذا الشرح من أبلغ كتب الزيدية، لكنه -عليه السلام- توفي وقد بلغ فيه إلى بعض كتاب الحج، ومصنفه إلى هذا القدر قدر مجلدين ضخمين، وله مصنف فائق فيما يتعلق بالإمامة سماه: (العناية التامة بتحقيق مسائل الإمامة)، وله في علم الطريقة وفن أهل الحقيقة مختصر يسمى: (كنز الرشاد و[زاد المعاد]) وله مختصر أيضا في علم النجوم والحساب مفيد لذوي الألباب، ومنظومة فيه فائقة بليغة رائقة، وله في الفتاوي كتاب مجلد ضخم، معتمد عليه عند ذوي الألباب وأهل المعرفة بعلوم السنة والكتاب، وله في الرسائل المشتملة على جم المسائل كتاب فيه من العلوم المفيدة، والأنظار السديدة، ما لا يحيط بوصفه المقال، ولا يبلغ إلى تصوره كنه الخيال، وجمع من الكتب حول ألف كتاب، منها ما هو بخط يده المباركة قدر نيف وثلاثين مجلدا بخطه المنمنم يزري بالدر المنظم، وله ديوان شعر بليغ من نظمه عليه السلام، ويكفيك أن التعرض لحصر صفاته، وبديع محاسن سماته، يستغرق الأوقات، ويحتاج إلى زبر مجلدات.
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
ومن كرمه الجم الذي يغطي على موجات اليم، أنه أسس صائحا يصيح بالناس إلى الطعام المعد في كل وقت للخاص والعام.
Page 161
وله من الأولاد ستة ذكور أكبرهم سنا وقدرا وأرفعهم في الأنام ذكرا، الناصر لدين الله أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين، ثم السيد الأفضل طراز العترة الأهول: شرف الدين الحسين بن أمير المؤمنين، ثم السيد الأفضل العلامة، القدوة، المدرة الصمصامة: شمس الدين أحمد بن أمير المؤمنين، ثم السيد الأمجد، الأورع، الأعبد، الأزهد: صلاح الدين المهدي بن أمير المؤمنين، ثم السيد المقام ، العلامة، في الآل الكرام، صلاح الملة والإسلام: صلاح بن الإمام، ثم السيد الصدر فخر الدين عبد الله بن أمير المؤمنين، وكانت وفاته قدس الله روحه [ونور ضريحه] يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رجب سنة تسعمائة، وقد ناهز في السن خمسا وخمسين سنة، منها مدة خلافته تسع عشرة سنة وعشرة أشهر إلا أياما، وكان له من الكرامة الباهرة، والمنقبة الظاهرة أنه نعي عليه السلام بصنعاء في صوامعها الوقت الذي مات فيه بهجرة فللة، وسمع النعي حي الإمامين [الإمام] الوشلي، والإمام شرف الدين، والسيد المرتضى [بن] قاسم وغيرهم، ولفظ الناعي:
رحم [الله] الإمام المؤتمن المحيي لما مات من الفرائض والسنن: أبا الحسن عزالدين بن الحسن، وبلغت هذه الكرامة كل أحد، وخطب بها على المنابر ونوه بها الأئمة الأكابر، هذا ما أردت اختصاره من سيرته عليه السلام، ومن أراد يستقصي سيرته -عليه السلام- نظر في (شرح الزحيف) [فيأخذه من هناك]. ولنعد إلى ذكر ولده الناصر لدين الله أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين عليهم صلوات رب العالمين.
Page 162
[الإمام الحسن بن عز الدين ]
وسبطه الناصر الداعي الذي اجتمعت
فيه المحامد قبل الشيب والكبر
وكان في وقته ما كان من عجب
من العناد له فاعرفه واعتبر
من بعض أسرته اختاروا عداوته
وقوموا العلم المنصور في الأثر
وابن المظفر ناواه وخالفه
لكنه لم يفز بالخير والظفر
المراد بهذا:[هو] مولانا الناصر لدين الله أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن عليه السلام، القائل فيه لسان الحال وناطق المقال:
أنت الإمام الذي من بعد والده
ألقت إليك مقاليد النهى البشر
Page 163
[ما آثروك بها إذ قدموك لها
إلا لأنفسهم قد كانت الأثر] [كان -عليه السلام- مشهورا بالعزائم القاطعة، والبراهين الساطعة، والأنظار الثاقبة، والآراء الصائبة، والعلوم الزاخرة، والحلوم الباهرة، ولم يزل -عليه السلام- طالبا للعلوم حتى فاز منها بالمنطوق والمفهوم، بلغ رتبة الاجتهاد، وظفر منها بالمراد، وكان دعوته المباركة الميمونة، التي هي بأنواع الصلاح مقرونة، في كحلان تاج الدين تاسع وعشرين من شهر رجب الأصب من سنة تسعمائة، اليوم الثامن من وفاة حي والده -عليه السلام-، وبايعه علماء اليمن عامة مثل: الإمام الوشلي، والسيد مجد الدين المرتضى بن قاسم، والقاضي العلامة عز الدين محمد بن أحمد بن مرغم من صنعاء، وسائر علماء اليمن والشام، ما خلا عمه السيد صلاح الدين، وولده السيد جمال الدين علي بن صلاح، وسائر أخوته والقاضي أحمد بن محمد بن مظفر؛ لأمور كانت بينهم، شرحها يطول ويحتاج إلى أبواب وفصول، وكان سبب معاندة المذكورين أن دعا الإمام الوشلي عن رأيهم، وكاد أن يستظهر في اليمن على الإمام الحسن -عليه السلام- ثم أنه استظهر عليه، وعلى سائر من ناوأه، ودانت له البلاد وأطاعه العباد، وقمع الله بسيوف نقمته أرباب العناد، وله اليد الطولى في جميع العلوم، وله مصنف عظيم مفيد في علم أصول الفقه سماه: (القسطاس المقبول على معيار المعقول في علم الأصول)، وله مختصر أيضا على (الورقات) في أصول الفقه أيضا، وله رسائل وفتاوي قدر مجلد ضخم، واشتغل في مدته -عليه السلام -بالحروب، وفاته من تصنيف العلوم المطلوب، وكان -عليه السلام-آية باهرة في زمانه، وحكمة ظاهرة في أهل أوانه]، وقد تقدم شرح سيرته -عليه السلام- في شرح ابن الزحيف، فلا فائدة للتكرير لذلك، فيؤخذ من هناك، وله من الأولاد تسعة: محمد، وعز الدين، ومجد الدين، وداود، وأحمد، وأم هؤلاء الحرة المصونة: بدرة بنت القاضي محمد النحوي، [وكانت تسمى أم البنين]، وصلاح، ويحيى، وتاج الدين درج صغيرا، وأمهم الحرة المكرمة: مريم بنت المعافى، والمؤيد واسمه علي، وأمه الحرة المصونة: حورية بنت حسن بن حسين الشقري -رحمهم الله تعالى جميعا وأعاد من بركاتهم آمين- وكانت وفاته [رحمة الله و] نور الله ضريحه بعد فراغه من صلاة الفجر[إماما] يوم الأربعاء لعشر خلون من شعبان سنة تسعة وعشرين وتسعمائة.
Page 165
[الكلام في أخبار الإمام مجد الدين بن الحسن ]
ثم الخليفة مجد الدين قائمنا
أجل داع دعا حقا من البشر
لكنه رفض الدنيا وزينتها
فقابلته صروف الدهر والقدر
هذا هو الإمام المشهور فضله وبركته بين الأنام، المعروف ورعه وزهده عند الخاص والعام، الذي أقر له بالسبق في جميع علوم الإسلام، المعروف بالشجاعة عند اقتناص الأسد الضرغام، السابق في مضمار الفصاحة والخطابة والبراعة [واليراعة] جميع علماء الإسلام، الداعي إلى الله أمير المؤمنين مجد الدين بن الناصر لدين الله [أمير المؤمنين] عليهما صلوات رب العالمين، القائل فيه لسان الحال وناطق المقال:
لجدي كان المجد ثم لوالدي
ولي فيه بعد القوم أشرف مقعد
ثلاثة أيام هم الدهر كله
وما هي إلا اليوم والأمس والغد
بل كما قال:
خمسة أبآء هم ما هم
أفضل من يشرب صوب الغمام
Page 166
ما فيهم إلا فتى ابنه
إمام حق وأبوه إمام ولد -عليه السلام- [نهار السبت] لليلتين مضتا من شهر محرم سنة ست وثمانين وثمانمائة، بمشهد الهجرة الهادوية بوادي فللة، وقد تقدم ذكر أمه في آخر سيرة والده -عليه السلام-، نشأ في حجر الخلافة الطاهرة، وسلك في مسالك الرافضين للدنيا إلى الآخرة، واشتغل بالطلب حتى فاز بالعلوم الزاخرة، وأحرز معانيها الغامضة والظاهرة، بأنظار سديدة ثاقبة باهرة، حتى تردى بثياب الإمامة الفاخرة، وفاق وراق الأمم الأولة والآخرة، وكانت قراءته -عليه السلام- على مشايخ عدة، وأكثر قراءته على والده الناصر [لدين الله] -عليه السلام-، وعلى حي الفقيه العلامة وجيه الدين عبد القادر بن حسين الذماري، وكان حاله -عليه السلام- في مدة والده وبعد وفاة صنوه السيد العلامة صارم الدين كحال والده -عليه السلام- في مدة الإمام عز الدين في تولي أكثر أعماله، والتزيي بمحاسن خلاله، وكفايته له في جل الأمور، والنظر في أحوال الجمهور، ولم يزل متأهلا للطالبين، وقائما بأمور المسلمين، ملحوظا بعين الكمال من بين أعيان الصالحين والعترة الطاهرين، مرجوا للقيام بأمر الأنام، معروفا بالسداد في الإقدام والإحجام، مشهورا بالكرم الجم إذا شح الغمام، وكانت دعوته -عليه السلام- عقيب موت والده أعاد الله من بركاته، وذلك أنه كان وقت الوفاة بيسنم، ولما وصل دعا اليوم الثالث من وفاة والده وهو يوم الجمعة ثاني عشر شهر شعبان [الكريم] من سنة تسع وعشرين وتسعمائة، والسبب الباعث على تعجيل نشر الدعوة الميمونة، التي هي بأنواع الصلاح مقرونة، الحاوية لأبكار الخير وعونه، ما ظهر بعد وفاة والده من انضراب الأمور، وتغير حال الجمهور، وتغور كواكب الحق بعد الظهور؛ لأنها أظلمت الأرض لوفاة والده وذهابه، وكادت أن تميد لموته ومنتابه، وتغيرت الأحوال لأفوله وانجيابه، وكربت السماء أن تمور كما قال تعالى في كتابه.
Page 168
فرأى من حوله من الأفاضل والأعيان أنه قد تحتم عليه القيام بأمر الديان، ووجوب تحمل أعباء الإمامة عليه دون أبناء الزمان، فتوكل على الله وفوض الأمر إليه، واعتمد في جميع أموره عليه، ودعا عن نية صادقة ولمراد الله موافقة، فانجبر بدعوته ما صدعت أيدي الخطوب، وطلعت شمس العدل بعد التناهي في الأفول والغروب، وهبت صبا من الأفراج وجنوب، وظهرت له كرامات دالة على فضله وعلامات من ذلك ما أخبر به الفقيه العلامة، القدوة الصمصامة بدر الدنيا والدين، عين عيون العلماء المجتهدين، نقطة بيكار الشيعة الأمجدين: محمد بن يحيى بن بهران البصري التميمي أنه وجد اسمه -عليه السلام- مكتوبا في هرورة عنب، وأظهر على ذلك من حضر عنده من أعيان زمانه وفضلاء وقته وأوانه، فاعلموا بهذه الكرامة كل أحد، وحملت الهرورة إلى كل بلد، وكان لهذه الكرامة محل عظيم، وموقع عند جميع الناس جسيم، وحصل بها في قلوب الناس القرار، والتطف بها أهل البوادي والأمصار، ولما انتهت الدعوة الميمونة الشارحة للصدور، والقاصمة من أعداء الله للظهور، القاضية عليهم بالويل والثبور، إلى علماء صعدة ونواحيها تلقوها بالقبول والإجابة وأظهروا سربال الانشراح وجلبابه، ودخلوا تحت النواهي والأوامر، [و] أخلصوا له المودة، وصفوا السرائر، واتصلت أيضا بصنعاء، ووصلت كتب سادتها وشيعتها بالإجابة كالسيد الأفضل، روض الحكمة المخضل، المرجوع إليه فيما أشكل من الأمور وأعضل، مجد الملة والدين المرتضى بن القاسم بن إبراهيم، والقاضي الأجل، الأفضل العلامة، العلم الأكمل، طود العلم الأطول، وطراز الشيعة الأهول: عز الدين محمد بن أحمد بن مرغم، وسائر سادات اليمن وشيعتهم خلا أتباع الإمام الوشلي، وشايعوه وبايعوه، واستقرت بعد ذلك القواعد، وسكن كل مضطرب ومائد، وقام الولد مقام الوالد. [شعرا] :
Page 169
وهل ينبت الخطي إلا وشيجة
وتغرس إلا في منابتها النخل وقيل في وفاة والده وقيامه: بليغات الأشعار، الجامعة بين التهاني والتعازي، وجمع في ذلك الوقت الفرح والترح، وكادت الأرض بعد ميدانها أن تختال وتميس من الفرح، وجمع الشعراء بين التهنئة وبليغ التسلية، فمن أحسن ما قيل في هذا المعنى: القصيدة الرائقة، ذات المعاني الفائقة، التي أنشأها حي السيد الأفضل الفصيح المقول شرف الدين الحسن بن عبد الله بن قاسم القطابري، جمع بين أكثر أبياتها، بين التهنئة والتعزية، وسأذكرها إن شاء الله في آخر الكلام، فإن بليغ القول يشفي الأوام، ويهيج الغرام، ولما تقلد القيام بأمر الإمامة، وكشف عنهم دياجير الظلمة، أرسل دعاته إلى جميع الجهات، فسلموا إليهم الواجبات على اختلاف الأجناس والصفات، في الجهات الخولانية والأقطار اليمنية، وواصله صاحب مكة المشرفة، وغيره من الملوك، وأرسل ولاته إلى ينبع والصفراء، وما يليها من الجهات والقرى، فجاءوا بمصالح تترى، وطاف -عليه السلام- [في] الجهات اليمنية، وانتهض لذلك من ساقين في النصف الأول من شهر ذي الحجة سلخ السنة المذكورة آنفا، سار في طيافتها سيرة ذكية الأعطاف حميدة الأطراف، حاكية لسيرة الآباء والأسلاف، مصاحبا بحسن النية وصفاء الطوية، والعدل في كل قضية، ولما انتهى إلى حول هجر الأهنوم أرسل عمه السيد المقام الأفضل، البر التقي الأكمل: صلاح الدين المهدي بن أمير المؤمنين داعيا لأهل الهجر إلى طاعته والتمسك بأهداب هدايته، فانقادوا إلى تسليم الحقوق فورا وخشيوا من سطوة جنده، ووقعت في قلوبهم [له] هيبة عظيمة، وراموا منه عدم الدخول [إلى مكانهم] إشفاقا، وخوفا، وفرقا، فواجهه من كبارهم طائفة، فألان لهم المقال، وقابلهم بكريم الأفعال، وشملهم بعظيم النوال، طلبا منه للرضى بدخوله، فأبوا إلا النفار وعدم القرار، وخرجوا إلى حول ماجل حميد شاهرين لسلاح العصيان، رائمين لمكاشحة إمام الزمان، فنهض بعض إخوته في جماعة، وفرقوا شملهم في تلك الساعة، ودخل مكانهم قهرا، وأقام فيه قسرا، وبسط لهم بعد ذلك بساط الأمان، وأراهم من العدل والرفق ما قربه [منهم] كل جنان ، وقبض الحقوق كاملة، وعاملهم أحسن معاملة، ثم نهض قاصدا إلى كحلان تاج الدين، وفيه عن أمره صنوه السيد [المقام] الهمام، الهزبر، الضرغام، جمال الملة والإسلام: عز الدين بن الإمام، وهو من أفاضل الآل، وممن اشتهر بالجود والمجد والنوال، واتسم بحسن الشمائل وصفات الكمال، وكان الخليفة في مدة والده في البلاد اليمنية والمعاقل العلية، وإقامته في أكثر الزمان في كحلان تاج الدين وهو الذي استفتح في مدة والده [أكثر] المعاقل، وخضع لهيبته كل معاند ومناضل، ولم يزل يستفتح المعاقل الرفيعة، والأماكن المنيعة، ويقود الجيوش والجنود، ويستأصل شأفة كل معاند وحسود، حتى عظمت هيبته واشتدت وطأته، وخيفت صولته، وارتفعت كلمته.
Page 171