Dirāsa fī al-sīra

دراسة في السيرة

Publisher

دار النفائس

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٢٥ هـ

Publisher Location

بيروت

Regions
Iraq
المقدمة
هذا كتاب دراسي (أكاديمي) أريد منه بالدرجة الأولى عرض وتحليل الهيكل الأساسي المتفق عليه لأحداث سيرة الرسول ﷺ، وتوزيع مساحات البحث بشكل متكافىء على كافة جوانب الموضوع.. وهذا الكتاب يجيء ثمرة طبيعية لتدريس هذه المادة في كلية الآداب ما يزيد على الست سنوات، الأمر الذي أتاح لي احتكاكا عمليا مباشرا بالموضوع، ودفعني للبحث عن أشد الصور المنهجية ملائمة لتوصيل المادة للطالب الجامعي، وتمكينه من الإحاطة بوحداتها الأساسية إحاطة علمية مركزة ومتوازنة، ترفض الجنوح صوب الخيال القصصي الإسرائيلي، والتهويل الأسطوري، أو التطرف- في الوقت ذاته- صوب النظرة المادية التي تقتل في السيرة روحها وتطمس على شخصيتها.
كما أن هذه الدراسة تسعى لتجاوز منطق الدفاع- قدر الإمكان- لكي تجعل الحقائق المجردة نفسها تشكل في ذهن الدارس النسق الحقيقي للسيرة، وتدفع كل ما علق بها في الماضي والحاضر من تهاويل وإضافات ومفتريات ما كان لها أن تصمد أمام (الواقعة) التاريخية نفسها، وليس غير الواقعة التاريخية حكما وقاضيا.
ومن ثم كان الرجوع إلى طبقة المصادر الأساسية في الموضوع (وبخاصة سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري ومغازي الواقدي وأنساب البلاذري وصحيح البخاري ...)، والتعامل المباشر معها. وتجاوز (التضخّم) الذي عانته المصادر المتأخرة، و(الارتجال) الذي مارسته المراجع الحديثة، أمران لازمان لبناء صورة أقرب إلى الواقع التاريخي قدر المستطاع «١» .

(١) عن نقد مصادر السيرة انظر جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام، الفصل الأول ص ٦- ٣٥ ومقاله القيم في مجلة (المجمع العلمي العراقي) المجلد الأول، السنة الأولى.

1 / 5

إن سيرة رسولنا ﷺ تجربة غنية بأحداثها، زاخرة بدلالاتها، متنوعة بمعطياتها، وما كان لباحث يسعى إلى إيفائها حقها من البحث والتحليل إلا أن يوسع نطاق رؤياه ويصبّ اهتماماته على هذه الجوانب جميعا؛ حركية وسياسية وعسكرية وشخصية وفقهية وروحية وواقعية وغيبية وعقيدية وحضارية.
ولم أشأ- من أجل تركيز الصورة وتحديد أبعادها بدقة- أن التزم الخط الزمني لأحداث السيرة، ذلك الخط الذي وقع في أسره معظم الباحثين، فضاعت في مجراه حقائق، وطمست دلالات وقيم، ما كان لها أن تضيع أو تنطمس لو قسمت وقائع السيرة إلى وحدات متجانسة خصص لكل وحدة منها مساحة مناسبة في البحث، استقصيت فيها سائر جوانبها ونسقت جلّ وقائعها، وحللت معظم دلالاتها وقيمها.
ومعروف أن التزام المجرى الزمني يدفع الباحث إلى أن يحشر في النقطة الواحدة، أو المقطع الواحد، مجموعة أحداث ووقائق متنافرة متقاطعة غير متجانسة، ويلجئه أحيانا أخرى إلى تقطيع الواقعة الواحدة إلى أجزاء متناثرة لا يضمها إطار واحد ولا يوحدها تجانس نوعي، وهذا- بطبيعة الحال- نتيجة محتمة للسعي وراء منطق التقسيم الرياضي الصارم للأيام والسنين، وهو الأسلوب الذي اعتمده مؤرخونا القدماء وعرفوه باسم (الحوليات)، حيث لم يكن علم التاريخ ولا مناهج البحث فيه قد استكملت أسبابها بعد.
من أجل ذلك جاء هذا البحث يعرض أحداث السيرة كوحدات محددة الأبعاد، وبخاصة في عصرها المدني حيث تكثر الروايات وتتكاثف الأخبار وتزدحم التفاصيل.. تناولت فيها على التوالي: محمد بين الميلاد والنبوة، الدعوة في عصرها المكي، تحليل للهجرة، دولة الإسلام في المدينة، الصراع مع الوثنية، العلاقات بين الإسلام والجبهة البيزنطية- النصرانية، الصراع مع اليهود، ثم حركة النفاق في العصر المدني. وبقدر ما رأيت في بعض الروايات والأخبار قوة وأهمية، فوقفت عندها طويلا محللا مستنتجا، رابطا إياها في نسقها النوعي من الوقائع، بقدر ما لمست في روايات وأخبار أخرى ضعفا وانعدام أهمية فأغفلتها إغفالا تاما، أو مررت بها مرورا سريعا معتمدا في ذلك على المقياس الصارم وهو قبول كل ما لا يتعارض مع آيات القرآن الكريم ومعطيات السنن الصحيحة، ورفض ما عدا ذلك أو- على الأقل- عدم التسليم المطلق به.

1 / 6

إن اعتماد بعض المؤرخين المحدثين على عدد من مصادر المتأخرين (كالحلبي وأبي الفدا والمقريزي وابن الأثير.. إلخ) كمصادر محورية، وتغافلهم عن واحد أو أكثر من المصادر الأساسية الواردة، آنفا، جعلهم يتركون ثغرات عميقة في صلب أبحاثهم، كما دفعهم إلى سرد الكثير من الإضافات (المتأخرة) التي لا تعرفها المصادر الأولى، ومن ثم تضخيم وقائع السيرة إلى أضعاف حجمها الحقيقي على حساب الوقائع نفسها. لذا كان لا بد- مرة أخرى- من عرض كافة الروايات على معطيات القرآن والسنة والمصادر الأولى- على ما في الأخيرة من إضافات وثغرات- وعلى مقولات العقل الخالص، ثم على الأرضية التاريخية التي تحركت فوقها الأحداث، ونمت، واكتسبت ملامحها النهائية. وكل ما لا ينسجم مع هذا أو مع ذاك كان له أن يلغى من حساب المؤرخ الجاد، أو ينسحب- على الأقل- إلى الخط الثاني من روايات السيرة ووقائعها الغنية المتشابكة.
إن النبي العربي- يقول الدكتور جواد علي «١» - هو «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. وهو عبد الله ورسوله، ونبي وبشر مثل سائر البشر إلا في النبوة ونزول الوحي عليه. فقد ورد في القرآن الكريم: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ «٢» . وعلى هذه الآية وبوحيها يجب السير في تدوين السيرة النبوية وتاريخها، ولو سار المؤرخ بموجبها وبموجب وحي آيات القرآن الآخرى، لجنب نفسه الوقوع في المزالق والماخذ، وجعل السيرة النبوية، سيرة حية: سيرة نبي مرسل بالمعنى الإسلامي الصحيح الذي نجد روحه في الآية المذكورة. ولو جنب أصحاب السير المتأخرون سيرهم القصص الإسرائيلي الذي أدخل على السيرة وعلى الإسلام، والذي لا يتفق مع هذه الآية ومع أحكام القرآن، لأراحوا السيرة وجنّبوا الناس الأخذ بهذا القصص الذي بنى عليه بعض المستشرقين أحكاما وآراء أساءت كثيرا إلى الإسلام، وأرادوا بها التشكيك بصاحب الرسالة والمسلمين» «٣» .

(١) تاريخ العرب في الإسلام، الجزء الأول، هو من أدق المراجع الحديثة في السيرة، ولا تقل عنه دقة وأهمية أبحاث كل من: صالح أحمد العلي ومحمد عزة دروزة وإبراهيم أحمد الشريف ومحمد الغزالي في الطبعات الأخيرة لكتابه (فقه السيرة) التي خرج الشيخ الألباني أحاديثها، ومحمد سعيد رمضان ومحمود شيت خطاب، (انظر قائمة المصادر والمراجع) .
(٢) سورة الكهف: الآية ١١٠.
(٣) جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام ١/ ٧٥.

1 / 7

ويؤكد المؤرخ المذكور أن «في أغلب الروايات التي يتصل سندها بكعب الأحبار أو محمد بن كعب القرظي أو النعمان السبائي، وهم من مسلمة يهود، أو غيرهم من مسلمة أهل الكتاب طابع القصص الإسرائيلي، وفي أغلبه دسّ على الرسول وعلى الإسلام، كما في قصة الغرانيق وفي أمور أخرى ... ويظهر من دراسة هذا النوع من القصص أن أصحابه كانوا يريدون من روايته ونشره وإدخاله بين المسلمين أمرا، وأن قلوبهم لم تكن مسلمة كألسنتهم، وأنهم كذبوا على التوراة والإنجيل أحيانا وذلك على سبيل التودد إلى المسلمين والتقرب إليهم على ما يبدو» .. ويمضي إلى القول بأن مما يلاحظ «أن معظم هذا القصص المتقدم هو ما يرد في الكتب المتأخرة، أما الكتب الواصلة إلينا من أول عهد المسلمين بالتدوين، فقد كانت تتحاشاه في الغالب، ولا تميل إليه ولا إلى الخوارق والمعاجز، وهو قصص مخالف لما جاء في القرآن الكريم عن الرسول ولحديث الرسول، ولروح الإسلام، ولهذا وجب أن يكون اعتماد المؤرخ على هذا الموارد المتقدمة المحترمة في نظر النقاد أمثال: كتب الصحاح في الحديث وسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري. وسندنا الأول بالطبع ومرشدنا قبل كل هذه هو القرآن» «١» .
وعلى المستوى الحربي يقول محمود شيت خطاب، بصدد المنهج الذي اعتمده في كتابه عن (الرسول القائد): «وقد أغفلت ذكر الحوادث التي لا يمكن أن تحدث في الحرب فعلا، تلك الحوادث التي يرددها بعض المؤرخين ليثبتوا للناس أن انتصار الرسول ﷺ كان بالخوارق غير الاعتيادية بالدرجة الأولى، لا بتطبيق مبادىء الحرب. ومن الغريب أنهم يعتبرون ذلك من مظاهر الإيمان برسالة النبي.. لقد كان محمد واقعيا بعيدا عن الخيال، وكان إذا أراد شيئا هيّأ له أسبابه.. وقد عمل بكل مبادىء الحرب المعروفة، إضافة إلى مزاياه الشخصية الآخرى في القيادة، لهذا انتصر على أعدائه، ولو أغفل شيئا من الحذر والحيطة والاستعداد لتبدّل الحال غير الحال» «٢» .
ونحن نلتقي بهذا التحذير من تضخيم السيرة، وبخاصة فيما قبل البعثة، بحشد من القصص والإسرائيليات والخوارق، في كتاب محمد عزة دروزة القيّم

(١) جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام ١/ ٣٣- ٣٤.
(٢) الرسول القائد، المقدمة ص ٦- ٧.

1 / 8

(عصر الرسول) فهو يقول: «من العجيب أن يكون في القرآن آيات كثيرة فيها الكفاية لرسم صورة صادقة لشخصية النبي ﷺ، وفيها قرائن وإشارات ودلالات عديدة تساعد على التعرف على نشأته وسيرته قبل البعثة، ثم يعمد بعض المسلمين بل بعض علمائهم إلى تجاوز ذلك إلى ما لا تساعد عليه نصوص القرآن، بل ما تتناقض معه. فإذا كنت ممن تسنى لهم أن يستمعوا قصة من هذه القصص التي تتلى في حفلات المولد، فقد سمعت ولا ريب نماذج من الغلوّ الذي يكاد يجعل للنبي ﷺ شخصية لاهوتية أو في نطاق اللاهوتية. ولقد وقع غير واحد من كتاب السيرة والشمائل وشراحها في هذا الغلوّ (وبخاصة ما يتعلق بالميلاد) دون أن يكون لذلك أصل من قرآن أو سند من حديث صحيح أو دعامة من منطق معقول. ويبدو أن غلاة المسلمين لم يكتفوا بالوقوف عند الإنسان الكامل في النبي ﷺ الذي يتجلى بالتميز في عظم الخلق وصفاء النفس وكبر القلب وقوة الإيمان، والمهمة العظمى التي اضطلع بها، ورأوا أنه لا بد أن يكون من لوازم نبوته واصطفائه أن تكون ثمة مقدمات وبشائر» «١» .
لكن أيا من المؤرخين السابقين، أو غيرهم من المؤرخين الجادّين، لم يقل إن الضرورة المنهجية الملحّة لرفض الإسرائيليات والقصص والخوارق تدعونا أن نقطع السيرة عن أية صلة لها بعالم الغيب (الميتافيزيقا) - كما يرغب دعاة التفسير المادي للتاريخ أن يكون- لأن معنى هذا بوضوح نكران لنبوة الرسول ﷺ واتصاله عن طريق الوحي غير المرئي- بعالم (الغيب) في السماء، كما أنهم لم يقولوا- ولا أي من المؤرخين الجادين- أن رفض القصص والخوارق يدعونا بالضرورة إلى رفض الاعتقاد بأن الله سبحانه طمس على أعين المشركين الذين حاصروا دار الرسول ﷺ، قبل هجرته، سعيا وراء قتله، أو أنه صدّهم عن إلقاء القبض عليه وهو مختبىء وصاحبه في الغار، أو أنه أنزل ملائكته من السماء لتنصر القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة في معركة بدر، ومعارك أخرى تلتها..
إن كثيرا من وقائع السيرة، وأخبارها أوضح من أن تتكلف فيها الشروح والتفاسير والتعليقات، ومن ثم فهي لن تحتاج إلا إلى قدر معقول من تنسيق المادة الأولية وترتيبها، قائم على منهج علمي في الانتقاء والاستبعاد، ليس كذلك

(١) عصر الرسول ١/ ٢٥- ٢٦.

1 / 9

الذي اعتمده كثير من الباحثين المحدثين، وبخاصة طبقة المستشرقين الأولين التي حكّمت الظن وانساقت وراء الهوى، وهي تنتقي وتستبعد، أو تحلل وتستنتج وفق منهج بحث لا تقرّه بداهات العلم.
وهنا أحب أن أقف بعض الوقت لأعرض بإيجاز لهذه المسألة المنهجية، التي سوف لن أعود إليها مرة أخرى إلا لماما، خوف أن تندّ بي عن المنهج الموضوعي في دراسة السيرة من مصادرها (الأساسية) وبيئتها (الواقعية) بعيدا عن الرؤى والإسقاطات المعاصرة، شخصية ومذهبية، مما يتطلب بحثا آخر يضم مطولات من الردود والإثباتات والتحليل والمناقشات أحسب أنها تتم فعلا وأنها في طريقها إلى الظهور «١» .
يقول الدكتور جواد علي «.. أخذ على بعض المستشرقين تسرعهم في إصدار الأحكام في تاريخ الإسلام، وتأثرهم بعواطفهم لأخذهم بالخبر الضعيف في بعض الأحيان، وحكمهم بموجبه، ولإصدارهم أحكاما بنيت على الألفاظ المشتركة أو التشابه، مع قولهم بوجوب استعمال النقد، وباحتراسهم في الأمور ووجوب التأكد من معرفة الآخذ قبل الحكم عليه.. وآية ذلك أن معظم المستشرقين النصارى هم من طبقة رجال الدين أو من المتخرجين من كليات (اللاهوت) وأنهم إن تطرقوا إلى الموضوعات الحسّاسة من الإسلام حاولوا جهد إمكانهم ردّها إلى أصل نصراني. وطائفة المستشرقين من يهود وخاصة بعد تأسيس (إسرائيل) وتحكم الصهيونية في غالبيتهم، يجهدون أنفسهم لردّ كل ما هو إسلامي وعربي لأصل يهودي، وكلتا الطائفتين في هذا الباب تبع لسلطان العواطف والأهواء» «٢» .
ويمضي الدكتور جواد علي إلى القول بأن كثيرا من المستشرقين «غالوا في كتاباتهم في السيرة النبوية، وأجهدوا أنفسهم في إثارة الشكوك في السيرة. وقد أثاروا الشك حتى في اسم الرسول ﷺ، ولو تمكنوا لأثاروا الشك حتى في وجود النبي. وطريقة مثل هذه دفعتهم إلى الاستعانة بالشاذ والغريب فقدموه على المعروف المشهور. استعانوا بالشاذ ولو كان متأخرا، أو كان من النوع الذي

(١) يذكر أحد الأساتذة أن صديقه الدكتور حسين مؤنس أخبره أنه يعكف منذ مدة ليست بالقصيرة على دراسة كافة معطيات المستشرقين في حقل السيرة، ومناقشتها مناقشة شاملة في بحث مستقل.
(٢) تاريخ ١/ ٨- ٩.

1 / 10

استغربه النقدة وأشاروا إلى نشوزه، تعمدوا ذلك لأن هذا الشاذ هو الأداة الوحيدة في إثارة الشك. ومهما قالوا في نسبة التاريخ الصحيح في سيرة الرسول ﷺ فإن سيرة الرسول هي أوضح وأطول سيرة نعرفها بين سير جميع الرسل والأنبياء..
والذين يؤاخذون المستشرقين على سلوكهم هذا المسلك من النقد يؤاخذون كذلك من يحاول من المسلمين كتابة التاريخ متأثرا بعاطفته وهواه. فهم لا يريدون توجيه اللوم إلى المستشرقين وحدهم لتأثرهم بعاطفتهم ثم يتركون من يركب هذا المركب من الشرقيين دون لوم ولا تعنيف» «١» .
فالمنهج العلمي هو المنهج العلمي، والخروج عنه خروج عن العلم الصحيح سواء مارسه رجل في أقصى الغرب أم في أقصى الشرق، وسواء كان وراءه إنسان يتعبد في كنيسة أم يصلّي في مسجد.. والرسول ﷺ نفسه يقول (من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) .. ولم يحدد ﷺ هوية الكاذبين وانتما آتهم الدينية والجغرافية.
ويحدثنا الدكتور (صالح أحمد العلي) كيف أن بداية الحركة الاستشراقية في مواقفها الظنية والعاطفية من حياة الرسول ﷺ، كانت قد جانفت العلم كثيرا، ثم بدأت تعتدل شيئا فشيئا، «لقد تناول المستشرقون الغربيون حياة الرسول ﷺ فيما تناولوا من الأبحاث عن التاريخ الإسلامي. ولا شك أن التعصب والتحامل كانا يطغيان على كتابات المستشرقين القدامى نظرا لتأثرهم بروح التعصب الديني الذي كان مسيطرا ومتبلورا بتأثير الحروب الصليبية، ونظرا لضعف معرفتهم باللغة العربية، وقلة المصادر المتوفرة لديهم. غير أنه لم يخل الغرب منذ أوائل العصور الحديثة من مفكرين معتدلين امتدحوا الإسلام «٢» ولكن منذ القرن التاسع عشر بدأ الاهتمام بدراسة المخطوطات العربية وطبعها، وأخذ المستشرقون يدرسون تاريخ الشرق لذاته متّبعين الطريقة العلمية التي كانت قد قطعت شوطا كبيرا من التقدم في الغرب. ومع أن فريقا منهم لم يتقن كل ذلك، إلا أن عددا غير قليل كان يتميّز بسعة الاطلاع، وبعد النظر، وعمق التفكير، مما ساعدهم على إنتاج مباحث تستثير التفكير والتقدير، رغم أنه لا يمكن القول بأن أحكامهم نهائية» «٣» .

(١) تاريخ ١/ ٩- ١١.
(٢) انظر عنهم نور اندريه: محمد ص ٢٤٣- ٢٤٧.
(٣) محاضرات في تاريخ العرب ١/ ٢٥٥- ٢٥٦.

1 / 11

ويعود جواد علي ليبين لنا كيف أن (كايتاني) وهو من كبار المستشرقين الأوائل الذين كتبوا عن حياة الرسول ﷺ، كان يعتمد منهجا (معكوسا) في البحث يذكرنا بكثير من المختصين الجدد في حقل التاريخ الإسلامي، والذين يعملون وفق منهج خاطىء من أساسه إذ أنهم يبيّتون فكرة مسبقة ثم يجيئون إلى وقائع التاريخ لكي يستلّوا منها ما يؤيد فكرتهم ويستبعدوا ما دون ذلك. فلقد كان كايتاني «ذا رأي وفكرة، وضع رأيه وكوّنه في السيرة قبل الشروع في تدوينها، فلما شرع بها استعان بكل خبر من الأخبار ظفر به، ضعيفها وقويها، وتمسّك بها كلها، ولا سيما ما يلائم رأيه، لم يبال بالخبر الضعيف، بل قواه وسنده وعدّه حجة، وبنى حكمه عليه. ومن يدري؟ فلعله كان يعلم بسلاسل الكذب المشهورة والمعروفة عند العلماء، ولكنه عفا عنها وغضّ نظره عن أقوال أولئك العلماء فيها، لأنه صاحب فكرة يريد إثباتها بأية طريقة كانت، وكيف يتمكن من إثباتها وإظهارها وتدوينها إن ترك تلك الروايات وعالجها معالجة نقد وجرح وتعديل على أساليب البحث الحديث؟» «١» .
ومن المستشرقين أنفسهم من دفعهم جدّهم وموضوعيتهم- وهم ليسوا بالقليل- إلى نقد وتفنيد الأخطاء المنهجية التي مارسها رفاقهم في دراسة التاريخ عامة وحياة الرسول ﷺ خاصة، وإلى تعرية الدوافع التي تكمن وراء موقفهم هذا، سواء كانت محتشدة في الوعي أو منسربة في اللاشعور.. «لقد رأى (دينيه) أنه من المتعذر، إن لم يكن من المستحيل، أن يتجرد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم ونزعاتهم المختلفة، وأنهم لذلك قد بلغ تحريفهم لسيرة النبي والصحابة مبلغا يغشي على صورتها الحقيقية من شدة التحريف فيها، ورغم ما يزعمون من اتباعهم لأساليب النقد البريئة ولقوانين البحث العلمي الجاد فإنا نلمس من خلال كتاباتهم محمدا يتحدث بلهجة ألمانية، إذا كان المؤلف ألمانيا، وبلهجة إيطالية إذا كان الكاتب إيطاليا، وهكذا تتغير صورة محمد بتغير جنسية الكاتب. وإذا بحثنا في هذه السير عن الصورة الصحيحة فإنا لا نكاد نجد لها من أثر. إن المستشرقين يقدمون لنا صورا خيالية هي أبعد ما تكون عن الحقيقة! إنها أبعد عن الحقيقة من أشخاص القصص التاريخية التي يؤلفها أمثال (وولتر سكوت) و(إسكندر ديماس)

(١) تاريخ ١/ ٩٥.

1 / 12

وذلك أن هؤلاء يصورون أشخاصا من أبناء قومهم، فليس عليهم إلا أن يحسبوا حساب اختلاف الأزمنة، أما المستشرقون فلم يمكنهم أن يلبسوا الصورة الحقيقية لأشخاص السيرة، فصوروهم حسب منطقهم الغربي وخيالهم العصري. وأن الدكتور (سنوك هيرغرنجة) ليقول بحق في نهاية نقده لكتاب المستشرق غريم (إننا نرى أن الأستاذ غريم لو اقتصر على درس السيرة النبوية القديمة وبحثها بعمق لكان أفضل، وأن الثمار التي كان يمكن أن يجنيها من مثل هذا الدرس لهي أجدر ببلوغ الغاية التي توخّاها، ولكنه ظن أن هذا عمل ليست له أهمية كبيرة، وأراد أن يطرف الناس بنبأ جديد ففشل في وضع السير النبوية) ..» «١» .
وفي ختام كتاب (آتيين دينيه) القيم (الشرق كما يراه الغرب) ترد بعض الآراء حول (المنهج) حيث يقول «لقد أصاب الدكتور سنوك هيرغرنجة بقوله «إن سيرة محمد الحديثة تدل على أن البحوث التاريخية مقضي عليها بالعقم إذا سخرت لآية نظرية أو رأي سابق» . هذه حقيقة يجمل بمستشرقي العصر جميعا أن يضعوها نصب أعينهم، فإنها تشفيهم من داء الأحكام السابقة التي تكلفهم من الجهود ما يجاوز حدّ الطاقة فيصلون إلى نتائج لا شك خاطئة «٢» . فقد يحتاجون في تأييد رأي من الآراء إلى هدم بعض الأخبار، وليس هذا بالأمر الهين، ثم إلى بناء أخبار تقوم مقام ما هدموا، وهذا أمر لا ريب مستحيل. إن العالم في القرن العشرين يحتاج إلى معرفة كثير من العوامل الجوهرية كالزمن والبيئة والإقليم والعادات والحاجات والمطامح والميول.. إلخ لا سيما إدراك تلك القوى الباطنة التي لا تقع تحت مقاييس المعقول والتي يعمل بتأثيرها الأفراد والجماعات» . ثم ما يلبث دينيه أن يضرب (مثلا عكسيا) فيقول: «ما رأي الأوروبيين في عالم من أقصى الصين يتناول المتناقضات التي تكثر عن مؤرخي الفرنسيين ويمحصها بمنطقها الشرقي البعيد، ثم يهدم قصة (الكاردينال ريشيليو) كما نعرفها، ليعيد لنا ريشيليو آخر له عقلية كاهن من كهنة بكين وسماته وطباعه!؟ إن مستشرقي العصر الحاضر قد انتهوا إلى مثل هذه النتيجة فيما يتعلق برسمهم الحديث في سيرة

(١) آتيين دينيه: محمد رسول الله، مقدمة عبد الحليم محمود ص ٢٧- ٢٨ وانظر عن بعض نماذج تخبط المستشرقين في دراسة السيرة: المقدمة نفسها ص ٢٨- ٣٣ وهوامشها. وعن موقف القسيس لامانس (النموذجي) من السيرة انظر: المقدمة ص ٣٥- ٤١.
(٢) انظر رأي جواد علي في كايتاني قبل قليل.

1 / 13

الرسول ﷺ ويخيل إلينا أننا نسمع محمدا يتحدث في مؤلفاتهم إما باللهجة الألمانية أو البريطانية أو الفرنسية ولا نتمثله قط- بهذه العقلية والطباع التي ألصقت به- يحدّث عربا باللغة العربية»، وينتهي المستشرق الفرنسي- الذي أعلن إسلامه- إلى القول «إن صورة نبيّنا الجليلة التي خلفها المنقول الإسلامي تبدو أجلّ وأسمى إذا قيست بهذه الصور المصطنعة الضئيلة التي صيغت في ظلال المكاتب بجهد جهيد» «١» .
ويحدثنا المستشرق البريطاني المعاصر (مونتكمري وات) في كتابه (محمد في مكة) كيف «إن عزيمة محمد في تحمّل الاضطهاد من أجل عقيدته، والخلق السامي للرجال الذين آمنوا به، وكان لهم بمثابة القائد، وأخيرا عظمة عمله في منجزاته الأخيرة، كل ذلك يشهد باستقامته التي لا تتزعزع؛ فاتهام محمد بأنه دجّال Imposteur يثير من المشاكل أكثر مما يحلّ، ومع ذلك فليس هناك شخصية كبيرة في التاريخ حطّ من قدرها في الغرب كمحمد. فقد أظهر الكتاب الغربيون ميلهم لتصديق أسوأ الأمور عن محمد. وكلما ظهر أي تفسر نقدي لواقعة من الوقائع ممكنا قبلوه» . ثم يقدم (وات) قاعدة منهجية تكاد تكون بديهة من بداهات المنهج الأساسية، إلا أنها في موقف الغربيين إزاء شخصية محمد تضيع ويوقف العمل بها.. «فإذا أردنا أن نصحح الأغلاط المكتسبة من الماضي بصدده، فيجب علينا في كل حالة من الحالات، لا يقوم الدليل القاطع على ضدّها، أن نتمسك بصلابة بصدقه، ويجب علينا ألا ننسى أيضا أن الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنا، وأنه في مثل هذا الموضوع يصعب الحصول عليه» «٢» .
وفي مكان آخر يضرب (وات) بالمستشرق الفرنسي (لامانس) مثلا على الانحرافات المنهجية التي يمارسها كثير من المستشرقين، وبخاصة ذلك (الخطأ) الذي سبق أن ذكرناه والذي يقوم على جعل الوقائع التاريخية مجالا انتقائيا للتدليل على فكرة مسبقة أو اتجاه محدّد سلفا. إن لامانس «للأسف!! يتجاوز الأدلة كثيرا في ناحية أخرى، إذ أن طريقته العابثة (!!) في المعالجة ليست طريقة علمية (!!)، فهو يرفض هذا الرأي ويقبل الآخر حسب أفكاره الخاصة ومعتقداته، دون أن يعبأ بالموضوعية. ففي عبارة (الأحابيش وعبيد أهل مكة) نجد أن (الواو)

(١) دينيه: محمد، المقدمة ص ٤٣- ٤٤.
(٢) محمد في مكة ص ٩٤.

1 / 14