Al-Darajāt al-rafīʿa fī ṭabaqāt al-shīʿa
الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة
Editor
تقديم : السيد محمد صادق بحر العلوم
Publication Year
1397 AH
بسم الله الرحمن الرحيم ما ترنمت مطربات عنادل الأقلام على عذبات أنامل الأعلام. ولا تفتحت كمائم أزهار زاهر الكلام في نواضر حدائق الأرقام، بأحسن من حمد مالك أرغم بقدرته كل منكر وجاحد، وأظهر في كل شئ آية تدل على أنه واحد، فشهدت بوحدانيته السماء مزينة بزينة الكواكب، والأرض حاملة أثقال أعبائها على المناكب; والصباح هاتك لستور الظلماء نهاره مطردة في الحدائق الخضر أنهاره والمساء رافلة في حلل السواد سواهم ليله راكضة في ميادين الظلام أداهم خيله والبحار ملتطمة بالجزر والمد أمواج عبابها، منتشرة انتشار اللؤلؤ حبات حبابها والأنهار منسابة في الجداول انسياب الحيات في الرمال، مطردة إطراد الذوابل في أكف الأبطال حين النزال، والماء بائحا صفاءه بأسراره، لائحا حصباؤه في قراره، والنار لامعة سبائك لهبها. مائجة ذوائب عذبها، والرياح ناسمة جنوبا وشمالا مؤرجة بنفحاتها يمينا وشمالا، والهواء حاملا الماء في بطون الغمام سائرا بالجواري المنشئات في البحر كالأعلام، والطير مفصحة بعد عجمتها مطربة بالأسحار بنغمتها، والخيل مسابقة في مجاريها معقود الخير بنواصيها، والإبل هادرة بجر اجرها مجترة بحناجرها، كلها ألسنة ناطقة بوحدانيته وأدلة ثابتة على فردانيته، أحمده بماله من المحامد السنية، وأشكره على سوابغ نعمه الهنية وثمرات عوارفه اليانعة الجنية التي أبلغت المأمن وبلغت الأمنية، لا سيما التوفيق للاقرار بالنبوة المحمدية، والإمامة العلوية. والطهارة الفاطمية، والسيادة الحسنية
Page 2
والبسالة الحسينية، والعبادة السجادية، والعلوم الباقرية، واللهجة الصادقية والحلوم الكاظمية والرجاحة الرضوية، والسماحة الجوادية، والأخلاق النقوية والشهامة العسكرية، والخاتمة المهدوية فأصلي وأسلم على ذي الأعراق الزكية والأعراف الذكية، والقبلة المكية المبعوث إلى البرية بالملة المرضية، وعلى آله وعترته أولى النفوس القدسية والعلوم اللدنية والمراتب العلية والمناقب العلوية أئمة الأمة وكاشفي الغمة، وسبل الهداية وأعلام الولاية، وسفن النجاة وأبواب المناجاة، صلى الله وسلم عليه وعليهم صلاة وسلاما يبلغان الأمل ويزكيان العمل ما خطت الأقلام وخطت الأقدام.
اما بعد فيقول العبد الفقير إلى ربه الغنى (على صدر الدين) ابن احمد نظام الدين الحسيني الحسنى عاملهما الله بلطفه الخفي وفضله السني إني منذ ارتضعت در الفضل والعلم، واتشحت رداء العقل والحلم لم أزل مجتنيا من رياض الفضل أزهى أزهارها واردا من موارد الفواضل أصفى أنهارها، مؤلفا بتقييد شوارد الفوائد مغرما نظم فرائد القلائد، متبعا آثار أرباب التأليف مقتضيا رسوم أصحاب التصنيف وكنت في حدثان السن وريعان الصبا وعنفوان الشباب أقدر في خلدي جمع طبقات عالية تحتوي على عيون أخبار أعيان الفرقة الناجية، أعني الشيعة الإمامية والفرقة الثاني عشرية، إذ لم اقف لأحد من أصحابنا رضوان الله عليهم على كتاب واف بهذا الغرض، قائم بأداء هذا الحكم المفترض سوى كتب الرجال وهي مع ضيق مجالها لم تحتو الا على رواة الأحاديث ورجالها، حتى وقفت على كتاب صنف قبل عصرنا هذا بقليل نحا مؤلفه نحو هذا الغرض الجليل، وهو الكتاب المسمى (بمجالس المؤمنين) للقاضي نور الله التوستري نور الله ضريحه وأحله من مبوأ الرضوان فسيحه غير أنه لم يبرئ منى عليلا ولم يبرد لي غليلا، اما أولا:
فلأنه فارسي العبارة أعجمي الإشارة وليس أربى إلا اللسان العربي، واما ثانيا فلأنه جاء بالطم والرم ولم يميز بين الروح والجرم، فأفسد السمين بالغث ورقع الجديد
Page 3
بالرث وأدخل الدخيل في الصريح وجمع بين الصحيح والجريح، وعد من أصحابنا ما لا ينزل بفنائهم ولا يسقى من إنائهم، وأهمل ذكر جماعة من مشايخنا هم أشهر من أن لا يعرفوا، وحاشاهم من أن يكونوا نكرات فيعرفوا فحرك منى هذا الاستدراك ما كان منى في مستكن الخاطر وما به حراك، وذلك بعد أن اشتعل الرأس شيبا وامتلأت العيبة عيبا فأزمعت أولا على تأليف كتاب بسيط حافل كاف في القيام بهذا المقصد كامل.
ثم رأيت أن ذلك يفتقر إلى بسطة فراغ وسكون في هذا الوقف المتصف بالمقت مما لا يكون، مع اشتغال البال واشتعال البلبال، والخطوب ثائره والساعات طائره، والفرص خطفات بروق تأتلق، والنفوس على فواتها تذوب وتحترق، فثنيت العنان عن ذلك المرام، واخذت في تأليف هذا الكتاب المفرغ في قالب الإيجاز والإحكام مع التزامي أن لا أخليه من عيون الأخبار والنكت المعتبرة لدى الاعتبار وأن لا أخل فيه بما يجب ذكره في محاسن كل انسان، مما يليق به من نادرة أو شعر أو مكرمة أو احسان، هذا مع التثبت والتحري في النقل وعدم التساهل الذي لا يسيغه العقل وإذ أسفر إن شاء الله تعالى من أفق النمام صاحبه وأزهر بنور الكلام مصباحه: سميته:
(الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة) سائلا ممن نظر فيه ونهل من صافيه أن يقيل عثاري وزللي، ويستر عواري وخللي، وهو المثاب في اصلاح ما طغى به القلم وزلت به القدم، فان الإنسان محل النسيان وأول ناس أول الناس.
ورتبته على اثنتي عشرة طبقة الأولى في الصحابة: الثانية في التابعين الثالثة في المحدثين الذين رووا عن الأئمة عليهم السلام، الرابعة في العلماء من سائر المحدثين والمفسرين والفقهاء (رض)، الخامسة في الحكماء والمتكلمين، السادسة في علماء العربية، السابعة في السادة الصفوية، الثامنة في الملوك والسلاطين، التاسعة في الأمراء، العاشرة في الوزراء، الحادية عشرة في الشعراء، الثانية عشرة في النساء.
Page 4
المقدمة
اعلم رحمك الله ان شيعة أمير المؤمنين " ع " والأئمة من ولده عليهم السلام لم يزالوا في كل عصر وزمان ووقت وأدان، مختفين في زوايا الاستتار محتجبين احتجاب الأسرار في صدور الأحرار وذلك لما منوا به من معاداة أهل الإلحاد ومناواة أولي النصب والعناد، الذين أزالوا أهل البيت عليهم السلام عن مقاماتهم ومراتبهم وسعوا في إخفاء مكارمهم الشريفة ومناقبهم، فلم يزل كل متغلب منهم يبذل في متابعة الهوى مقدوره ويلتهب حسدا ليطفئ نور الله ويأبى الله الا أن يتم نوره، كما روى عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام انه قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لقى شيعتنا ومحبونا من الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قبض وقد أخبر الناس أنا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحدا بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به وأسلم، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه وانتهب عسكره وعولجت خلا خيل أمهات أولاده. فوادع معاوية وحقن دمه ودم أهل بيته وهم قليل حتى قتل، ثم بايع الحسين عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفا ثم غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم فقتلوه ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام، ونقصي، ونمتهن، ونحرم ونقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء
Page 5
في كل بلدة فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره في زمن معاوية بعد موت الحسن " ع " فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وصار من ذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين " ع " ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنة وتهمة، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له شيعة على.
وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي يوسف المدايني في كتاب (الأحداث) قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبى تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منير يلعنون عليا ويبرؤون منه. ويقعون فيه وفى أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على " ع "، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليها البصرة، وكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام على " ع " فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم من العراق، فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة على " ع " وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم ان انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا إلى بكل ما يروى كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطايع، ويفيضه في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجئ أحد بخبر مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروى في عثمان فضيلة أو منقبة الا كتب اسمه
Page 6
وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حينا ثم كتب إلى عماله: ان الحديث في عثمان قد كثر وفشى في كل مصر وفى كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبى تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة، فان هذا أحب إلى وأقر لعيني وأدحض لحجة أبى تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقى إلى معلمي المكاتب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله تعالى، ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاه ورزقه وشفع ذلك بنسخة أخرى، من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة، حتى أن الرجل من شيعة على " ع " ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه بسره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الإيمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء القضاة والولاة، وكان أعظم ذلك بلاء القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها.
ولم يزل كذلك حتى مات الحسين بن علي " ع " فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل الا خايف على دمه أو طريد في الأرض. ثم تفاقم
Page 7
الأمر بعد قتل الحسين " ع " وولى عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والذين يبغضون عليا عليه السلام ويوالون أعداءه فأكثروا من الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم وأكثروا من الغض من على " ع " وعيبه والطعن فيه والشنآن له حتى أن إنسانا وقف للحجاج، ويقال انه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب فصاح به: أيها الأمير ان أهلي عقوني فسموني عليا وإني فقير بائس واما إلى صلة الأمير محتاج فتضاحك له الحجاج وقال: للطف ما توسلت به وقد وليتك موضع كذا. وقد روى ابن عرفه المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال: ان أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بنى أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بنى هاشم.
قال المؤلف عفا الله عنه ولم يزل الأمر على ذلك سائرا في خلافة بنى أمية حتى جاءت الخلافة العباسية فكانت أدهى وأمر وأخزى وأضر، وما لقيه أهل البيت " ع " وشيعتهم في دولتهم أعظم مما منوا به في الخلافة الأموية كما قيل:
والله ما فعلت أمية فيهم * معشار ما فلعت بنو العباس ثم شب الزمان على ذلك وهرم، والشأن مضطرب والشنآن مضطرم والدهور لا يزداد الا عبوسا والأيام لا تبدى لأهل الحق إلا بؤسا، ولا معقل الشيعة من هذه الخطة الشنيعة في أكثر الأعصار ومعظم الأمصار الا الانزواء في زوايا التقية والانطواء على الصبر بهذه البلية، وهذا السبب للذي من أجله لم يصنف أحد من أصحابنا كتابا في هذا الشأن على مرور الدهر وكرور الزمان فخفي علينا أحوال كثير من أكابر الشيعة وأركان الشريعة، والمسؤول ممن وقف على هذا التصنيف، ورشف من زلال هذا التأليف; ان لا يبديه الا إلى أهله وان يكتمه عمن أركسه الله في جهله، توقيا من عناد الناصبين، وأولى العدوان الغاضبين، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
Page 8
الطبقة الأولى في الصحابة
وقد عن لنا ان نقدم هنا مقدمات:
المقدمة الأولى
في تعريف الصحابة وهو على أظهر القول من لقى النبي صلى الله عليه وآله مؤمنا به ومات على الإسلام ولو تحللت رده والمراد من اللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الأخر وان لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما للآخر سواء كان ذلك بنفسه أو بغيره، كما إذا حمل شخص طفلا إلى النبي صلى الله عليه وآله والمراد رؤيته في حال حياته والا فلو رآه بعد موته قبل دفنه كأبي ذؤيب الهذلي فليس بصحابي على المشهور، وكذا المراد برؤيته أعم من أن يكون مع تميزه وعقله حتى يدخل فيه الأطفال الذين حنكهم ولم يروه بعد التمييز، ومن رآه وهو لا يعقله، والتعبير باللقاء أولى من قول بعضهم الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وآله لأنه يخرج حينئذ ابن أم مكتوم ونحوه من العميان وهم صحابه بلا تردد. واللقاء في هذا التعريف كالجنس يشمل المحدود وغيره.
وقولنا مؤمنا كالفصل يخرج من حصل له اللقاء المذكور ولكن في حال كونه كافرا لم يؤمن بأحد من الأنبياء كالمشركين، وقولنا به فصل ثان يخرج من لقيه مؤمنا لكن بغيره من الأنبياء عليه السلام لكنه هل يخرج من لقيه مؤمنا بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة كبحير الراهب; فيه تردد. فمن أراد اللقاء حال نبوته حتى لا يكون مثله صحابيا عنده يخرج عنه، ومن أراد أعم منه يدخل، وقولنا مات على الإسلام يخرج من ارتد بعد أن لقيه مؤمنا ومات على الردة كعبد الله
Page 9
ابن جحش وابن خطل، وقولنا ولو تخللت برده أي بين لقائه مؤمنا وبين موته صلى الله عليه وآله بل بعده أيضا، فان اسم الصحبة باق سواء رجع إلى الإسلام في حياته أو بعده، وسواء لقيه ثانيا بعد الرجوع إلى الإسلام أم لا هذا مذهب الجمهور خلافا لبعضهم قالوا ويدل عليه قصة الأشعث بن قيس فإنه كان ممن ارتد وأتي به إلى أبى بكر أسيرا فعاد إلى الإسلام فقبل منه ذلك وزوجه أخته وكانت عوراء فأولدها ابنه محمدا أحد قاتلي الحسين " ع ". ولم يتخلف أحد من ذكره في الصحابة ولا من تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها، وقيل إن الصحابي هو من طالت مجالسته له صلى الله عليه وآله على طريق السمع والأخذ عنه فلا يدخل من وفد عليه وانصرف بدون مكث وهو قول أصحاب الأصول. وحكى عن سعد ابن المسيب قال: لا يعد صحابيا الا من أقام معه صلى الله عليه وآله سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين. ووجهه أن صحبته شرف عظيم فلا ينال الا باجتماع يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من سقر، والسنة المشتملة على الفصول الأربعة التي بها يختلف المزاج، وعورض بأنه صلى الله عليه وآله لشرف منزلته أعطى كل من رآه حكم الصحبة، وأيضا يلزم ان لا يعد جويبر بن عبد الله ونحوه صحابيا ولا خلاف في أنهم صحابة، ثم أن الصحابة على مراتب كثيرة بحسب التقدم في الإسلام والهجرة والملازمة والقتال تحت رايته والرواية منه ومكالمته ومشاهدته ومماشاته وان اشترك الجميع في شرف الصحبة، ويعرف كونه صحابيا بالتواتر والاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر وأخبار الثقة وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله عن مائة وأربعة عشر صحابي آخرهم موتا على الاطلاق أبو الطفيل عامر بن وائلة، مات سنة مائة من الهجرة والله تعالى اعلم.
Page 10
المقدمة الثانية
حكم الصحابة عندنا في العدالة حكم غيرهم، ولا يتحتم الحكم بالأيمان والعدالة بمجرد الصحبة ولا يحصل بها النجاة من عقاب النار وغضب الجبار الا ان يكون مع يقين الايمان وخلوص الجنان، فمن علمنا عدالته وايمانه وحفظه وصية رسول الله في أهل بيته، وانه مات على ذلك كسلمان وأبي ذر وعمار واليناه وتقربنا إلى الله تعالى بحبه، ومن علمنا أنه انقلب على عقبه وأظهر العداوة لأهل البيت " ع " عاديناه لله تعالى وتبرأنا إلى الله منه ونسكت عن المجهولة حاله، وقالت العامة والحشوية، الواجب الكف والامساك عن جميع الصحابة وعما شجر بينهم واعتقاد الأيمان والعدالة فيهم جميعا وحسن الظن بهم كلهم وقال أبو المعالي الجويني منهم ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن الكلام فيما شجر بين أصحابه وقال إياكم وما شجر بين أصحابي. وقال ادعو إلى أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مدى أحدهم ولا نصفه وقال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقال:
خيركم القرآن الذي أنا فيه ثم الذي يليه. وقد ورد في القرن الثناء على الصحابة وعلى التابعين. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وقد روى عن الحسن البصري انه ذكر عنده الجمل وصفين فقال، تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلا نلطخ بها ألسنتنا. ثم إن تلك الأحوال قد غابت عنا وبعدت أخبارها على حقايقها فلا يليق بنا ان نخوض فيها، ولو كان واحد من هؤلاء قد أخطأ لوجب ان يحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله فيه فمن المروة ان يحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في عايشة زوجته: وفى الزبير بن عمه; وفى طلحة الذي وقاه بيده، ثم ما الذي ألزمنا وأوجب علينا ان نلعن أحدا من المسلمين أو نبرأ منه
Page 11