Dam Wa Cadala
الدم والعدالة: قصة الطبيب الباريسي الذي سطر تاريخ نقل الدم في القرن السابع عشر
Genres
الفصل الثاني
استكمال عمل هارفي
كان القرن السابع عشر الميلادي مثيرا ومحبطا في آن واحد. لقد أخذ دوني الحماس في التشكيك فيما لم يخضع للشك من قبل؛ فقد كانت الثورة الفكرية هي سمة العصر. ومع ذلك، لم يعرقله سوى حقيقة أن الطرق المعروفة لفعل ذلك كانت لم تزل في بداية ظهورها.
كانت القضية الرئيسية هي التقدم، وكان السؤال هو عن كيفية كسر الأغلال التي قيدت العقول المستقصية في أنماط الفكر الأرسطي، حيث الأفكار والجدليات أهم من الملاحظات المادية. وقد كان عصر النهضة هو الخطوة الأولى نحو هذا التقدم، لكنه إن كان قد قدم شيئا، فإنه لم يقدم سوى مزيد من الاحترام للفكر القديم؛ فقد أعاد الناس بعث الفلسفة اليونانية، ووهبوها حياة جديدة ، وسمحوا لها بأن تلهم مرحلة فكرية جديدة. لكن هذا الفكر الجديد لم يزل قائما على التنظير لا القياس العملي. ومن ثم لم يكن يوجد حيز كبير لتحصيل المعرفة القائمة على التجربة.
والأسوأ من ذلك أنه كان هناك اعتقاد متزايد بأن الاستنتاجات القديمة كانت - في أحيان كثيرة - خاطئة. فعندما كان الناس يجرون التجارب ويعتمدون على القياس ثم يحاولون فهم النتائج، كانوا يكتشفون هم أيضا أن النظريات القديمة لم تكن سليمة. بينما رفض أنصار الفكر الأرسطي هذا المذهب على أساس أن أي انحراف عن التعاليم القديمة سيؤدي إلى فهم خاطئ بالتأكيد. أما من تمتعوا بالشجاعة الكافية لتجاوز قيود الفكر القديم، فرأوا ذلك دليلا على ضرورة النظر للحياة بمنظور مختلف.
لذا كان القرن السابع عشر شاهدا على بزوغ فجر حرية جديدة، وأخذ «الفضوليون» - كما كان ذلك الجيل من المفكرين يسمون أنفسهم - يحررون أنفسهم بحرص. ولم تكن المسألة تتمثل في التخلي عن كل المعرفة القديمة تماما، بل كانت إصرارا على اختبار كل فكرة بالتجربة العملية. وزعم الفضوليون أنهم يرحبون بالأفكار - قديمها وجديدها - لكن عندما تبنى على شواهد تجريبية لكل نظرية.
لقد كانت روح الاستكشاف تلك إذن هي ما مهد الطريق لعمل دوني. فإن كانت النظريات الإغريقية واللاهوت الإنجيلي هما المصادر الوحيدة للمعلومات، لم يكن من المرجح أن يعيد دوني النظر في فكرة نقل الدم. وباستثناء بعض الأحداث الوهمية أو الأسطورية أو التاريخية، لم يكن لدى دوني أي دافع للاعتقاد بأن محاولة نقل الدم لم تكن شيئا خطيرا وربما غير أخلاقي. لكن دوني كان على اطلاع كذلك بعمل ويليام هارفي. ففي عام 1624، نشر هارفي - الطبيب والجراح الإنجليزي - فكرة جديدة صادمة؛ إذ يستبعد كتابه «حركة القلب» - المكتوب باللاتينية - مفهوم جالينوس لسريان الدم الذي استمر الاعتقاد فيه لقرون. لم يكن هارفي يرفض فكرة تحول الطعام إلى كيلوس في المعدة، وأن هذا الكيلوس يتحول إلى دم عندما ينقل إلى الكبد؛ لكن اختلافه كان حول ما يعقب ذلك. فقد قال جالينوس إن الدم يذهب بعدها إلى القلب حيث ينتقل بعض الدم من البطين الأيمن إلى الرئتين بينما ينتقل الباقي عبر المسام الموجودة في الجدار الفاصل بين البطينين إلى البطين الأيسر، ومنه ينتقل الدم إلى أجزاء الجسم التي في حاجة إليه ويستهلك. لكن هارفي أوضح أن الدم يسرى عبر الجسم في دورة مستمرة.
مع ذلك، لم يكن هارفي يعلم السبب وراء دوران الدم باستمرار، وربما كان ينظر إلى الحجج التي استخدمها لاستنباط ما توصل إليه على أنها غير دقيقة بل تكاد تكون مثيرة للضحك. لكن حين قرأ دوني كتاب هارفي أدرك - شأن كثيرين غيره - أن الكتاب فتح الباب أمام طرق جديدة لتعامل الأطباء مع الدم، وكان نقل الدم من بين هذه الطرق.
ولم يكن بيان أن الدم يجري في دورة إلا أحد سببين لأهمية كتاب هارفي. فقد كان السبب الثاني هو أن هارفي أظهر في أثناء وضعه نظريته مدى التزامه بالتراث الإغريقي، لكنه في الوقت ذاته سبر أغوارا جديدة لما أصبح فيما بعد يعرف بالعلم الحديث. ويستمر الخلاف في القرن الحادي والعشرين حول ما إذا كان من القدماء أم من المحدثين.
ولد هارفي في الأول من شهر أبريل من عام 1578 في فولكستون بكنت، وكان الأكبر بين سبعة أطفال. كان قصير القامة، ذا بشرة زيتونية اللون ووجه مستدير، وكان - بحسب جميع الروايات - سريع الغضب. وكانت عيناه سوداوين صغيرتين، وهو ما جعله قصير النظر لحد ملحوظ؛ وكان اللون الأبيض قد أخذ يزحف على شعره الطويل ذي اللون الأسود الداكن في شبابه؛ حتى إنه بلغ عامه الستين وقد خلا رأسه من أي خصلات سوداء. ولأنه ولد لمزارع يملك أرضا يقوم على فلاحتها بنفسه، فقد كان ميسور الحال لكنه لم يكن ثريا. ولأنه كان متقد الذهن، أرسلته أسرته ليدرس الطب في كلية كيوس بكامبريدج. وفي إطار اتباع المسار الوظيفي النموذجي، راح يعمل لما يقارب ثلاث سنوات بجامعة بادوفا في إيطاليا - وهي إحدى قلاع الطب في العالم. وكانت هذه التجربة المختلطة ستمنحه معرفة استثنائية بتصور جالينوس عن الجسم، لكنها أتاحت له كذلك الاحتكاك بهؤلاء الذين أخذوا يشككون في الاستنتاجات القديمة.
Unknown page