Dam Wa Cadala
الدم والعدالة: قصة الطبيب الباريسي الذي سطر تاريخ نقل الدم في القرن السابع عشر
Genres
وزاد التأكيد على الرابط بين الدم والحياة بسبب التغير الجوهري الأخير في منظومة المعتقدات التي ترسخت قبل القرن السابع عشر. وكان ذلك في القرن الثاني الميلادي على يد الفيلسوف وأخصائي التشريح الإغريقي كلوديوس جالينوس - الذي درس الطب بمدينة برجاموم التي تقع حاليا في المنطقة التي تعرف بغربي تركيا. وكان جالينوس كبير الأطباء المعالجين للمصارعين في برجاموم، كما كان كاتبا غزير الإنتاج. فقد ألف نحو 500 كتاب ورسالة في جميع مناحي الطب والفلسفة على مدار حياته المهنية. وكانت آراؤه تتسق تماما مع معتقدات المسيحيين الأوائل، وأصبحت جزءا أصيلا من الأنماط الفكرية للثقافات التي تسودها المسيحية طوال 1500 عام تالية. ووصل الأمر لدرجة أن من يشكك فيها كان يواجه أزمة كبيرة؛ فقد كان ذلك يعد تشكيكا فعليا في الكنيسة.
انتقل جالينوس إلى روما بصفته طبيبا وصديقا للإمبراطور ماركوس أوريليوس. وكان عمله مع المصارعين قد أتاح له كثرة التعامل مع الأجسام المصابة، كما أتاح له تطبيب المصارعين ذوي الإصابات القاتلة في الكولوسيوم مشاهدة الدم مباشرة. وكان ذلك أمرا غير مألوف، حيث إنه كان يرى رجالا أصحاء أصيبوا لتوهم، وليس أشخاصا يمرون بمراحل مختلفة من المرض، ولا مصابي المعارك الذين قد يصلون إلى الطبيب بعد ساعات أو أيام من الإصابة. ومن تلك المشاهدات توصل جالينوس لاستنتاج هام؛ إذ قال إن الدم نوعان: دم أميل إلى الزرقة يسيل ببطء من الطرف المقطوع للأوعية الحاملة له، ودم شديد الحمرة يتفجر من أوعيته.
ساعدت نظرية نوعي الدم هذه جالينوس على تكوين فكرة أكثر تعقيدا من الفكرة السائدة حتى ذلك الحين. فقد استنتج أن الدم يتكون في الكبد. فعلى كل حال، كانت قطع الكبد تبدو كالدم المتجلط، وعند هرسها ينساب منها سائل يشبه الدم. وكان هذا الدم يتكون مباشرة من العناصر الناتجة من هضم الطعام، وبذلك كان الدم هو الوسيلة التي يجري بها توزيع العناصر الغذائية عبر الجسم ونقلها في الأوردة.
أما الشرايين، على الناحية الأخرى، فكانت تنقل نوعا من الدم بعد تنقيته في القلب الذي يشبه الفرن. ويحمل هذا الدم مادة جديدة، ليس لها وزن لكنها في غاية الأهمية هي «العناصر الجوهرية الحيوية». مع ذلك لم تزل هناك إشكالية أخرى في هذه النظرية؛ وهي أن بعض الدم الذي يحمل الروح كان يضخ إلى الدماغ. وهناك ينقى الدم ويتحول إلى «العناصر الجوهرية الحيوانية»، التي تمكن من التفكير وتتوزع على الجسم عبر الأعصاب. ولم تكن قيمة الدم النفيسة إلا لتزيد قلق معاصري دوني تجاه أي إجراءات طبية تشمل الدم بأي حال. فبالتعامل مع الدم كان دوني يتعامل مع الحياة ذاتها.
نحو اتخاذ القرار
لم يكن نقل الدم في رأي دوني إلا مسلكا مختلفا لاستعادة التوازن الصحيح بين الأمزجة أو الأخلاط. كما كان يتيح على حد علمه ميزة استعادة التوازن مع الحفاظ على كمية طبيعية من الدم. وكانت خطته تقوم على التخلص من بعض الدم غير المتوازن من الشخص المريض؛ وإحلال دم متوازن من حيوان سليم محله. وكان هذا يعني أن المريض لن يحرم من العناصر المغذية في الدم، وسيتبقى له قدر كاف من الدم يمكن للقلب أن يدمغه بالخلاصات الحيوية والحيوانية للشخص.
لقد كان من الواضح أن موروا لم يكن في حالة مزاجية جيدة. بدأت المجموعات الصغيرة من الأطباء في المكتبة في الحث على فحص المريض، لكنهم كانوا يشعرون بالإحباط بوجه عام بسبب نقص المعلومات. فلم يكن هناك أي مؤشر على أن الرجل كان باردا فسيولوجيا، وهو ما كان يدل على زيادة نسبة البلغم، إلا أنهم لم يتوقعوا حدوث ذلك، عند شخص مجنون. من ناحية أخرى، كان الحصول على عينة براز سيفيد. كان حدوث الإسهال علامة قوية على زيادة الصفراء، وزيادة الصفراء - كما كان جميعهم يعلمون - ترفع درجة حرارة الدماغ، مسببة جميع صور اختلال العقل. من الناحية الأخرى، كان وجود كتل سوداء في البراز الصلب يحتمل أن يدل على زيادة العصارة السوداء. وكان المنتسبون لكلية الأطباء على يقين مما سيفعلون؛ كانوا سيفصدون دماءه. من المؤكد أنه خضع للفصد من قبل، إلا أن الإجراء لم يكن بالشدة الكافية، أو أن الدم لم يؤخذ من المكان الصحيح. على كل حال، هل كان هناك أي مؤشر على أن دماء الرجل قد فصدت حتى فقد الوعي؟ من المحتمل جدا أن العديد من الأطباء كانوا في ذلك الوقت، يداعبون بأصابعهم أقفال الصناديق الجميلة التي تحتوي مجموعات من أدوات الفصد الحادة.
كانت هذه هي النظرة السائدة آنذاك في المجتمع الطبي في باريس، وكانت تهيمن على معظم النقاش مع دخول الساعات الأولى من الصباح. كان دوني على وعي كامل بأن فكرته عن نقل الدم لمريض، وأخذ الدم من حيوان وضخه في آخر، تمثل هزة للنظام الراسخ حينها. لكنه قال إنه برغم كونها طريقة غير معهودة، كان من الممكن اعتبارها وسيلة لاستعادة توازن الشخص؛ إذ تؤدي ذلك على نحو أكثر فعالية من الفصد وحده. كما أنها إن نجحت فستصير تلك الطريقة علاجا عاما؛ فإن تعلمتها فربما يمكنك علاج أي مرض تقريبا. وفي ظل تلك المكافأة المنتظرة، من يسعه أن يقف أمام من يحاول نقل الدم؟!
وبينما كان دوني وإميري ينظران إلى مريضهما المحتمل، كانا يقيمان فرضية أن يكون مسار دمه بحاجة إلى تعديل. ولربما كانا يتساءلان في نفسيهما عما إذا كان جنون موروا وعنفه سيهدآن بحقنه بجوهر ألطف كلية. وكانا يتساءلان عما إذا كانت تلك هي فرصتهما لإبهار المتشككين وكتابة وتخليد اسميهما.
ما من سبيل إلى معرفة ما إذا كان قرار دوني سيختلف لو علم بتسلسل الأحداث التي كانت ستؤدي إلى وفاة مريضه. لكن من المرجح أنه كان يراوده الشك في أن تلك الخطوة ستثير ذعرا نابعا من الغيرة في أرجاء إنجلترا. لم يتردد أي رائد في مجاله أمام التحدي، وكان بمقدور دوني في ذلك الحين أن يرى اسمه متصدرا عناوين الصحف الرئيسية؛ المجد قبل سن الثلاثين؛ لقد كان ذلك صعودا صاروخيا نحو الشهرة لا يليق إلا بعبقري.
Unknown page