Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وقال سعيد: (إن الله احتج بدعاء النبي عليه السلام إذا سمعه أحد من الآدميين، أجزى على جميع خلقه في تلك الحال التي سمعه فيها ذلك الواحد، وأن الله قطع به على من سمع من لم يسمع جميع ما دعا إليه في جملة الدين ؛ دين الله وفرائضه).
وقول المعتزلة: (إن الحجة على المكلفين إذا لم يسمعوا من الرسل عقولهم، فمن كان له عقل صحيح فقد وجب عليه من التكليف كل ما يدركه بعقله، وحطوا عنه مالا يدركه إلا بسماع حتى يسمع).
اعلم أن هذه المسألة - كما أشرت لك أول مرة - أنها قدرية من القدر الذي وجب الإيمان به علينا خيره وشره.
اعلم أن هؤلاء المختلفين بنوا أصولهم على المعنى الذي اجتمعوا عليه بينهم البين، وأنا أشير إلى طريق واسطة بين المختلفين، وأرجع بالرد على الذي رأيته زاغ ونصرت كل من ساغ.
اعلم أن الله خلق بني آدم وجعل لهم مهلة من حيث خروجهم من بطون أمهاتهم إلى أوان التكليف، وقرن مع كل واحد منهم ملكا من بطن أمه يسوسه وهو صاحب اليمين ، ومن بعد خروجه من بطن أمه سبع سنين، ويلهمه في أثناء ذلك ويرشده، ويهديه إلى مصالحه، فسبق إليه الخيال من دماغه مدة، ثم الوهم بعد ذلك مدة، تجري في جوارحه القوى سريان الغذاء فيها.
فلما أكمل سبع سنين قرن إليه ملكا آخر يسدده ويقويه ويؤيده إلى ما سبق له من صاحب اليمين، الآخر صاحب الشمال.
ففتح الله تعالى له في القياس باب، واستعمل له في القياس سبع سنين أخرى، واستعمل الحواس، واضمحل الوهم باستعمال القياس كما اضمحل الخيال باستعمال الوهم، والخيال نتيجة اليافوخ والوهم نتيجة الدماغ.
وفي الدماغ ثلاث قوى: المقدمة الأولى: خياليه. والوسطى: وهمية. والآخرة ذات القفا: قياسية.
فعند استكماله أربع عشرة سنة قويت حاسة عقله واكتنفه علمان: علم الحواس، وعلم العقل، وكلاهما ضرورة.
وقد حصل في مكنون عقله، أن الحدث يحتاج إلى محدث، بدليل أن الصبي يقول: من أحدث هذا ؟ أو من جاء بهذا ؟ أو من صاحب هذا ؟
Page 282