Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وقال - عز من قائل -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
واستثنى من الشرك الكبائر وعلقها إلى المشيئة. وقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) فوقع الاستثناء على السيئات دون الكبائر وحصلت الكبائر في حيز الكفر، وقال في آية أخرى: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) وقال: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وجاءت هذه تارة عموما، وتارة خصوصا، وتارة مطلقا، وطورا استثناء، فصح أن الخاص يقضي على العام، والمفسر يقضي على المجمل، والمستثنى يقضي على المطلق، فهذه الأوجه الثلاثة متفق عليها، وإنما وقع الاختلاف في العوارض.
وأما قول الله - عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) فهذا العام مخصوص في ذاته، خصته الحكمة والقرآن والسنة ورأي المسلمين.
وأما الحكمة: فلو أطلق الله تعالى المغفرة على الذنوب بلا سبب، لكانت الذنوب بمعنى الإباحة، وليس من الحكمة النهي عن شيء، ولم يقترن معه العقاب بلا سبب إلا كان إباحة، ولا يجوز مع الحكيم العليم، إتباع معاصيه.
خص القرآن أيضا هذه الآية: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فخص الآية الأولى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) وقال تعالى: (ومن يقتل مؤمنا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) إلى قوله: (عذابا عظيما).
وخصته السنة أيضا، قال (صلى الله عليه وسلم): «من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في النار، ومن تحسى سما فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا) وأوجب خالدا مخلدا أبدا، فأوجب الله تعالى أن المغفرة التي ترى من وجبت بالذنوب جميعا أنها التوبة وقال: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا) وتوبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم).
Page 264