Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
وحاصله أن يكشف لك أن لا فاعل إلا الله، وأن كل موجود من خلق ورزق، وعطاء ومنع، وحياة وموت، وغنى وفقر، وغير ذلك مما يطلق عليه اسم، فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله تعالى وحده لا شريك له فيه.
فإذا انكشف هذا لم تنظر إلى غيره، بل كان منه خوفك ورجاؤك، وبه ثقتك وعليه اتكالك، فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخر لا استقلال له بتحريك ذرة في ملكوت السموات والأرض.
فإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة، أتضح لهذا اتضاح أنه من المشاهدة بالبصر، وإنما يضرك الشيطان على هذا التوحيد في مقامين، يبغي بهما أن يطرقا إلى قلبك شائبة الشرك:-
أحدهما: الالتفات إلى اختبار الحيوانات.
والثاني: الالتفات إلى الجمادات.
فأما الالتفات إلى الجمادات كاعتمادك على المطر في خروج الزرع ونباته، وعلى الغيم في نزول المطر، وعلى البرد في اجتماع الغيم، وعلى الريح في استواء السفينة وسيرها.
وهذا شرك في التوحيد وجهل في حقائق الأمور، ولذلك قال: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) قيل: معناه أنهم قالوا: لولا استواء الريح ما نجونا.
ومن انكشف له أمر العالم كما هو عليه علم أن الريح هو في الهواء يتحرك بنفسه ما لم يحرك، وكذلك محركهم، وهاذ إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول الذي لا محرك له، ولا متحرك في نفسه.
فالتفات العبد في النجاة إلى الريح، يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته، فيكتب الملك توقيعا عنه بالعفو وتخليته، فأخذ يشتغل بحبره والكاغد والقلم الذي يكتب به التوقيع، ويقول: ولولا القلم لما تخلصت. فيرى النجاة من القلم لا من محرك القلم، وهو غاية الجهل.
ومن علم أن القلم لا محرك له من نفسه، وإنما هو محرك في يد الكاتب، لم يلتفت إليه ولم يشكر إلا الكاتب، بل يدهشه فرح النجاة وشكر الملك الكاتب عن أن يخطر بباله القلم والحبر والداوة.
Page 205