204

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

واختلفت الأمة في الحق والصواب، فبعض أطلق على المختلفين أنهما حق كما أنهما علم وحكم، ولم يسوغ ضده من الباطل على واحد منها، وإلى هذه القولة أميل. والله المستعان.

وفي مناظرة الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف في الرد على من أجاز الحق على القولين المختلفين مغمز لمن تأمله.

وأما الصواب والخطأ، فجل الفقهاء قد أطلقوا هنا على المختلفين وإن ساغ الصواب في أحدهما ساغ الخطأ في خلافه بدليل إشارة القرآن، إذ يقول: (ففهمناها سليمان) فدل على أن الصواب مع سليمان، والخطأ في خلافه مع داوود، وإلا فما الفائدة إن كانا مصيبين جميعا.

وشواذ العلماء قالوا: إن هذه الألفاظ الأربعة تسوغ على المختلفين جميعا، ولا يسوغ أضدادها من السفه والجهل والباطل والخطأ. وهو قول علي بن أبي طالب وترقى بالتصويب إلى أحكام الفتنة والمختلفين فيها بشرط الاجتهاد، وقال: كل مجتهد مصيب. وهذا يؤثر عنه في أهل الدار: عثمان وذويه، وأهل الجمل، وعائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير ومن معهما، وفي أهل صفين: معاوية وعمرو بن العاص ومن معهما، لكنه له مغمز في معاوية وعمرو أنهما غشما الأمر غشما ولم يجهلاه، وقال في أهل النهروان: لم يظهر عليه ظهورة في أهل النهروان.

وذلك أن أصحاب علي أرادوا أن يعرفوا ما حال أهل النهروان عند علي، فقام رجل ينادي في العسكر: (من رأى لي البغلة الشهباء يوم قتلنا المشركين) فناداه علي، فقال له: (لا تقل كذلك، إنهم ليسوا بمشركين لكنهم من الشرك فروا).

قال: (فمنافقون يا أمير المؤمنين ؟)

فقال: (ليسوا بمنافقين، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا).

ثم قال الرجل: (فمن هم يا أمير المؤمنين ؟)

قال: (إخواننا بغوا علينا) وترحم على طلحة، وشهد أن عائشة زوج النبي عليه السلام في الجنة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «بشر قاتل ابن صفية بالنار».

Page 39