192

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

كما قال موسى لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر) لكن الأمم أرادت تكذيب الرسل.

ويدل عليه قولهم الذي عقبوا به آخرا، حين قالوا: (وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب).

فكأنهم تداركوا أنفسهم، ورجعوا من لفظة الكفران إلى لفظة الشك، وخافوا أن يتوهم عليهم متوهم، أنهم أيقنوا وكفروا فرجعوا من الكفران إلى الشك، لئلا يصير لهم ذلك نقيصة وللأنبياء فضيلة، فلذلك قالوا: (وإنا لفي شك) فبرأوا أنفسهم من المكابرة، وأقروا على أنفسهم بجهل ما جاءت به الأنبياء.

ثم نظروا إلى إثبات الشك على أنفسهم، وخافوا أن تلزمهم الحجة في جواز صدق الأنبياء حين شكوا، لأن في ذلك جواز أن يكون لما جاءت به الأنبياء صدقا، فيصير ذلك نقصا لهم، لأن الشك جهل، ثم هربوا من الشك هروبهم من الكفران قالوا: إنا لفي شك مريب، فتداركوا بقولهم: مريب، ردا على الأنبياء، لئلا يثبت أن ما قالت الأنبياء حق، فترددوا بين الكفر والشك والريبة، فاختلفت عليهم الأحوال، واضطربت منهم القوال.

وأخبر الله تعالى - وهو أصدق القائلين - عن مجموع الرسل بما قالت في هذه المحاورة فقال: (قالت رسلهم أفي الله شك) ردا عليهم: إنكارا عليهم أن ليس في الله شك، وليس بعد انتفاء الشك إلا العلم.

فوجب أن الأمم قد كابرت عقولها، حين انتفت من أمر لا شك فيه، على لسان الأنبياء.

وعقبت الأنبياء بالعلة العقلية التي لا يختلف عليها العقلاء فقالت: (فاطر السموات والأرض). وإرادة الأنبياء أن من أقر بفطور السموات والأرض لاشك أنه يعلم الفاطر، وهو الأصل الذي قلنا أولا من أحد أقسام العقليات وهو وجوب الواجبات.

ثم قالت الأنبياء: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) وهذا النمط من الجائزات لا من الواجبات ولا من المستحيلات، فلم تعرف الأمم حقيقة ذلك لا شرعا ولا عقلا.

Page 27