179

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وهذه المقامات الثلاث بعضها فوق بعض درجات، ومنها هاهنا ابتداء عالم الفعل وانقطاع أسلوب الصفات وهو الأمر والني وحقيقتهما التكليف وهو حمل ما يشق على النفس فعله، والطاعة والمعصية نتيجتا المر والنهي، والطاعة ما أوجب الله عليه الثواب لفاعلها، والمعصية بالعكس وهما فعل العبد.

والمطيع والعاصي اسمان ملازمان إن نسبتهما إلى فعل مخصوص بأحد الأزمنة الثلاثة كانا اسم فعل، وإن أطلقتهما للأزمنة الثلاثة كانا اسم بدن، والثواب جزاء المطيع والعقاب عكسه، والجنة هي الثواب والنار هي العقاب، وسنلوح هاهنا بفضل مختصر نبينه على وجه الدلالات على هذه المقامات الإحدى عشرة مقامة.

فإن قال قائل: ما الدليل على وجود الباري سبحانه ؟

قلنا: ظهور الفعل. وعلى حياته: صدور الفعل. وعلى علمه: إتقان الفعل. وعلى قدرته: حاجة الفعل. وعلى إرادته: تمييز وقوع الفعل. وعلى كرهه: عكسه. وعلى رضاه: قبول الفعل. وعلى سخطه عكسه. وعلى حبه اصطفاء الفعل. وعلى بغضه: عكسه. وعلى ولايته: اصطناع الفعل. وعلى عداوته: عكسه. وعلى ثوابه وعقابه: حكمته. وعلى جنته وناره: شرعه.

فهذا الذي أردنا من تقرير الحق في أنفس المقلدين، وسنشرع الآن في إقامة البرهان للمعتقدين المقيدين إن شاء الله تعالى والله المستعان.

ففي الدليل والبرهان الصحيح :-

فإن قال قائل: ما الدليل على صواب ما قلتم في الرضى والسخط والحب والبغض والولاية والعداوة إنها صفات الله تعالى في ذاته ؟

قلنا (وبالله التوفيق): من أحد ثلاثة أوجه: أحدها من العقليات الضروريات، وذلك ما شرحناه من كون الحي مرتبطا بصفاته التي لا تنفك من واحد منها إلا كان مواتا، وهي العلم والقدرة والإرادة والرضى والحب والولاية، ويكون مع ذلك فعالا، فهذه حقيقة الحياة لا يعقل غيرها، ألا ترى أنك إذا قلت: رأيت حيا. اقتضى فعالا.

وإن قلت: رأيت حيا لا فعالا. أكذبك الوجود.

Page 14