205

Dalāʾil al-iʿjāz taʿlīf al-Ayyūbī

دلائل الإعجاز ت الأيوبي

Editor

ياسين الأيوبي

Publisher

المكتبة العصرية

Edition Number

الأولى

Publisher Location

الدار النموذجية

Genres

فقوله: "حاضِراهُ الجودُ". جملةٌ من المبتدأ والخبر كما ترى، وليس فيها "واو" والمَوضِعُ موضعُ حال؛ ألا تراك تقول (أتيتُه فوجدتُه جالسًا) فيكون "جالسًا" حالًا، ذاك لأن "وجدتُ" في مثل هذا مِن الكلام، لا تكون المتعدية إلى المفعولين، ولكن المتعديةَ إلى مفعولٍ واحدٍ، كقولك: (وجدْتُ الضالَّة). إلاَّ أنه ينبغي أن تَعْلم أنَّ لتقديمه الخبرَ الذي هو "حاضراه" تأثيرًا في معنى الغِنى عن (الواو) وأنه لو قال: (وجدتُه الجودُ والكرَمُ حاضراه)، لم يَحسُنْ حسْنَه الآن، وكان السبب في حسْنه مع التقديم أنَّه يَقْرُبُ في المعنى من قولك: وجدته حاضرُه الجودُ والكرمُ، أو حاضرًا عنده الجوُد والكرمُ.
وإن كانت الجملةُ من فعل وفاعل، والفعلُ مضارعٌ مُثْبَتٌ غيرُ منفيِّ، لم يكد يَجيء (بالواو) بل تَرى الكلامَ على مجيئها عاريةً من "الواو" كقولك: (جاءني زيدٌ يَسْعى غلامُه بين يديه). وكقوله [من البسيط]:
وقد علوتُ قُتودَ الرَّحْل يَسْفَعُني ... يومٌ قُدَ يْدِيمةَ الجوزاءِ مَسْمومُ
وقوله [من الخفيف]:
ولقد أغتدي يُدافِعُ رُكْني ... أَحْوَذِيٌّ ذو مَيْعَةٍ إضريجُ
وكذلك قولك: (جاءني زيدٌ يُسْرعُ). لا فصل بين أن يكون الفعلُ لذي الحال، وبين أن يكون لمن هو مِنْ سَبَبِه؛ فإنَّ ذلك كلَّه يستمرُّ على الغنى عن "الواو" وعليه التنزيلُ والكلامُ. ومثاله في التنزيل قولُه ﷿: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى * الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى﴾ [الليل: ١٧ـ١٨] وكقوله عزَّ اسمه: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
فأما قولُ ابنِ همَّام السَّلوليّ [من المتقارب]:
فلمَّا خَشِيتُ أَظافِرَهُمْ ... نجوتُ وأَرْهنُهُمْ مالِكا
وفي روايةِ مَنْ روى "وأرهنهم" وما شبَّهوه به من قولهم: (قمتُ وأَصُكُّ وجْهَهُ). فليست "الواو" فيها للحال. وليس المعنى (نجوتُ راهنًا مالِكًا وقمتُ صاكَّا وجْهَه) ولكن (أرهَنُ وأصكُّ) حكايةُ حالٍ مثلُ قولهِ [من الكامل]:
ولقد أَمرُّ عَلَى اللئيمِ يَسُبُّني ... فَمضَيْتُ ثُمَّتَ قلْتُ لا يَعْنيني

1 / 204