ʿUyūn al-Athar fī Funūn al-Maghāzī waʾl-Shamāʾil waʾl-Siyar
عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير
Publisher
دار القلم
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٤/١٩٩٣.
Publisher Location
بيروت
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
فدعا رسول الله ﷺ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتَّى ارْتَوَى النَّاسُ، وَاحْتَمَلُوا حَاجَتَهُمْ مِنَ الْمَاءِ،
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَارَ حَتَّى كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ضَلَّتْ نَاقَتُهُ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ، وَكَانَ مُنَافِقًا: أَلَيْسَ مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ فَقَالَ ﵇: «إِنَّ رَجُلا يَقُولُ»، وَذَكَرَ مَقَالَتَهُ، «وَإِنِّي وَاللَّهِ لا أَعْلَمُ إِلا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا، وَكَذَا قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاؤوه بها، ثم مضى رسول الله ﷺ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُونَ: تَخَلَّفَ فُلانٌ، فَيَقُولُ:
دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ» .
وَتَلَوَّمَ [١] أَبُو ذَرٍّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاشِيًا، ونزل رسول الله ﷺ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ، فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كن أباذر» فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رحم الله أباذر، يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» .
قَالَ ابن إسحق: فَحَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الأَسْلَمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود قال: لما نفى عثمان أباذر إِلَى الرَّبَذَةِ [٢]، وَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَهُ وَغُلامَهُ، فَأَوْصَاهُمَا أَنِ اغسلاني وكفناني، ثم [ضعاني] [٣] على قارعة الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلا ذَلِكَ بِهِ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمَّارٍ [٤]، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلا بِالْجِنَازَةِ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، قد كادت الإبل تطأها، وقام إليهم الْغُلامُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، قَالَ: فَاسْتَهَلَّ عَبْدُ اللَّهِ يَبْكِي وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«تَمْشِي وَحْدَكَ وَتَمُوتُ وَحْدَكَ وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ» .
ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَوَارَوْهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَهُ، وَمَا قَالَ لَهُ رسول الله ﷺ في مسيرة إلى تبوك، وَقَدْ كَانَ رَهَطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ: وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ومنهم رجل
[(١)] أي تمهل وانتظر.
[(٢)] هو موضع قرب المدينة.
[(٣)] وردت في الأصل، ضماني، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.
[(٤)] أي معتمرين.
2 / 270