565

ʿUyūn al-Athar fī Funūn al-Maghāzī waʾl-Shamāʾil waʾl-Siyar

عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير

Publisher

دار القلم

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٤/١٩٩٣.

Publisher Location

بيروت

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَا حَاطِبًا فَقَالَ لَهُ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا: [١] فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا غُيِّرْتُ وَلا بُدِّلْتُ، وَلَكِنِّي لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ أَصْلٌ وَلا عَشِيرَةٌ، وَلِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَدٌ وَأَهْلٌ، فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نَافَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شئتم فقد غفرت لكم» [٢] .
ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، فاستخلف على المدينة أبارهم كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ الْغِفَارِيَّ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: عبد الله بن أُمِّ مَكْتُومٍ، فَخَرَجَ لِعَشْرِ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْكَدِيدِ أَفْطَرَ [٣]، ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، وَعَمِيتِ الأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ، فَهُمْ عَلَى وَجَلٍ وَارْتِقَابٍ، فَخَرَجَ أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حِزَامٍ وَبُدَيلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَجَسَّسُونَ الأَخْبَارَ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعِيَالِهِ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قِيلَ: بِالْجُحْفَةِ، وَقِيلَ: بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ وَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أبو سفيان بن الحرث، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِالأَبْوَاءِ، وَقِيلَ: بَيْنَ السُّقْيَا وَالْعَرْجِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: لا يَكُنِ ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ أَخِي أَشْقَى النَّاسِ بِكَ،
وَقَالَ عَلِيٌّ لأَبِي سُفْيَانَ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ﵇ لِيُوسُفَ: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [٤] فَإِنَّهُ لا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ قَوْلا مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ، قَالَ له رسول الله ﷺ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [٥] وَقَبِلَ مِنْهُمَا إِسْلامَهُمَا، فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ مُعْتَذِرا أَبْيَاتًا مِنْهَا:
لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلَ رَايَةً ... لتغلب خيل اللات خيل محمد

[(١)] وعند ابن هشام: فقال: «يا حاطب، ما حملك على هذا»؟
[(٢)] وعند ابن هشام: فأنزل الله تعالى في حاطب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ إلى قوله: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.
[(٣)] وعند ابن هشام: حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر.
[(٤)] سورة يوسف: الآية ٩١.
[(٥)] سورة يوسف: الآية ٩٢.

2 / 216