380

* وقد تكون البيئة المترفة عائقا بليغ الإعاقة عن المضي في طريق المجد، ومع ذلك يترفع عليها صاحب الهمة العالية، ويسخرها لإنجاز المطالب الجسيمة، كحال الإمام أبي محمد علي بن حزم رحمه الله، الذي نشأ نشأة مترفة، ولكنه انصرف عن مطامح الدنيا ومطامعها في سبيل طلب العلم، فقد جرت مناظرة بين الإمامين ابن حزم وأبي الوليد الباجي رحمهما الله، فلما انقضت قال الباجي لابن حزم: "تعذرني فإن أكثر مطالعاتي كانت على سرج الحراس"، فأجابه ابن حزم: "وتعذرني أيضا فإن أكثر مطالعاتي كانت على منائر -أي: مصابيح- الذهب والفضة" (¬1)، قال ياقوت الحموي: "أراد أن الغنى أضيع لطلب العلم من الفقر! " (¬2).

* وربما نشأ كبير الهمة في بيئة معدمة قاسية تكون كفيلة بإطفاء همته، والقضاء على نبوغه، فييسر الله له من الأسباب ما يأخذ بيده، أو يقيض له من ينمي مواهبه، ويتكفل بأمره:

Page 387